السبت، 22 يناير 2022

د.رمضةن الحضري

 الشعر وتكامل العلوم

************

أكتب قالتي هذه وأنا أعاني أوجاعا عديدة ، فلا تأخذوا كلماتي على محمل الهزل ، 

فللوجع آلام لايشعر بها الصحيح ، متعكم الله بصحة الإيمان وعافية الأبدان . 

وأشد أوجاعي إيلاما أن قومي لايعلمون ، وحينما شرعت في كتابة هذه القالة ، 

لايعلم إلا الله وحده لماذا خطر على عقلي وقلبي قول الرسول الأعظم والنبي 

الأكرم ( اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون ) .

والعلم هو النسبة المحددة وعليها دليل في تعريف العلماء ، وهذه النسبة المحددة

 نأخذ نحن مقلوبها ، ولا نأخذ استقامتها واعتدالها ، يبدو أنني من أولئك الذين 

لايستحون من نشر عيوبهم أملا في التصحيح ، وقومي يرون أنهم يقيمون 

مجتمعهم بالعلم ، ويرفعون قيمته بالعمل ، ورب علم مظنون هو أضر من 

الجهل المتين ، ( قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة 

الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) .

شبه كمال اتصال بلاغي ، سؤال لم يطرح ، هو في فهمي : هل يمكننا أن نعرف

 أفسد أعمالنا ؟ فتجي الإجابة بإعادة طرح السؤال لأهميته ، والسؤال مسبوق 

بفعل أمر ، وأفهم من الأمر هنا جماليات التنبيه للمستمع وجماليات السكوت 

عن الحضور ليكون السؤال لكل من حضر ومن لم يحضر ، وحرف الاستفهام

 هل تستخدمه العرب للاستفهام وقد تستخدمه للتحقيق بمعنى قد ، ومنه قول الله 

جل في علاه ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) فهل 

في الآية بمعنى قد .

ياسادتي للمرة المليون : لايستطيع بيت أن يبني صاحبه ، لكن العكس هو

 الصحيح ، فصاحب البيت هو الذي يبنيه ، ولاتستطيع دولة أن تبني رجالا ،

 ولكن الرجال هم الذين يبنون دولتهم ، ليرحمنا الله جميعا ، فلم تبن الثقافة 

طه حسين ولا عبدالمنعم تليمة ، لكنهما هما من أقاما صروحا ثقافية ، ولم تبن

 الموسيقى محمد عبدالوهاب و السنباطي و بليغ والموجي والطويل والشريعي ،

 لكنهم هم بنوا صروحا موسيقية ، ولم يبن الشعر المتنبي وشوقي ومحمود حسن

 إسماعيل ونزار وعبدالعزيز جويدة ، لكنهم هم من غرسوا بساتين شعر تليق بهم .

وكلنا نقول عن الاختراع والخلق أنه جاء على غير مثال سابق ، هذا في العلوم 

الطبيعية ، بينما في العلوم الاجتماعية لا نقول ذلك ، وهو من باب الفهم المغلوط ،......        فالاختراع في العلوم الانسانية كما في العلوم الطبيعية ، ولأن العلوم الانسانية

 يعتبرها الكثيرون ناتجة للتراكم المعرفي ، حتى تصل إلى حد التنظير والتقعيد ،

 ثم بعد ذلك تنتشر ؛ هذا ماجعل كل متكلم او راسم للحروف صحيحة وغير 

صحيحة يظن أنه كاتب أو أديب أو شاعر .

الحق أن الاختراع في الكتابة حق كما هو حق في العلوم الطبيعية ، ولكن 

مشكلة الناس في الأداة .

لأن أداة الشعر هي اللغة باعتبارها الوسيلة الشعرية فهم يستكثرون أن الأداة 

القديمة تخترع شيئا جديدا ، ويتناسون أن جميع المخترعات جاءت على غير

 مثال بأدوات قديمة ، ثم استحدثت لها أدوات بعد ذلك ، فأديسون الذي اخترع 

المكرر الآلي للتلغراف كان يعمل موظفا في هيئة التلغراف الأمريكية ، وتوالت 

مخترعاته فيما بعد ، لكن هذه المخترعات كانت تبدأ دائما من ادوات قديمة ، 

وقد ذكرت أديسون بالتحديد لأنه أكبر مخترع في عصرنا الحديث ، حيث 

وصلت براءات الاختراع الخاصة به في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 

إلى مايزيد عن 1093 براءة اختراع ، ويضاف إليها براءات الاختراع في 

كل من انجلترا والمانيا وغيرهما من بلاد أوربا .

وحينما يقول عبدالعزيز جويدة : _  

اخلُدي للموتِ ساعاتٍ وعُودي

ربما أحتاجُ في تلكَ الحياةْ 

مرةً أخرى وُجُودي

ليسَ يَعنينا بقاءٌ وانتهاءْ 

ليسَ يعنينا خلودُكْ ..

أو خلودي

*******

أليس في هذا اختراع ؟! أن يبدأ نص العشق بالحديث عن الموت ، ومعروف 

أن الميت لايعود ، لكنه بشاعريته ، يطلب منها العودة ، وكأن هذه العودة أمر 

طبيعي ، ثم يبرر لطلب عودتها ، فالعودة ليست لأجلها لكنها لأجله هو ، فهي 


تخلد للموت ، فيغيب عن الوجود ، أو يختفي وجوده بخلودها للموت ، فإذا عادت 

بعد ساعات وجد نفسه .

حيث إن غير مهتم بمسألة الفناء والبقاء ، ولا بزمنية الخلود واللاخلود ، لكن 

هناك أمرا أهم .

والاختراع هنا أن عبدالعزيز جويدة ترك اكتشاف الصوفية المتمثل في قولهم 

( الفناء في الباقي لكي نبقى ) ، ليخترع هو نظرية جديدة تتمثل في ( الفهم للحياة 

هو الخلود فيها ، والجمود في الحياة هو الموت على قيد الحياة ) .

وهذه النظرية صحيحة إلى حد كبير ، فتأتي مبررات طلبه العودة بقوله : 


************ 

حاملاً عمري وعمرَكْ

حاولي أن تفهمي معنى صمودي 

ورياحُ الحزنِ تجتاحُ المواني 

والأغاني مثلُ لوحِ الثلجِ 

جودي

ليسَ بالوصلِ ولكنْ 

امنحيني صحوةَ الروحِ لأني 

قد تعبتُ ..

من جُمودي

يا حياتي

اذهبي من حيثُ جئتِ 

ثم عودي 

كي أُحسَّ ..

لحظةً أني افتقدتُكْ 

أو تخلَّصتُ قليلاً من قيودي

**************

فجمود المرء موت ، وقيود العشق سجن ، وعودة الحبيب أجمل لحظات الوجود ،

 وتخلص العاشق من قيودة


 لحظات ، شوق للحنين مرة أخرى .

لنستمع إليه وهو يكمل اختراعه ، بين جماليات العلمية الطبيعية ، وصحة 

المشاعر الانسانية التي تراقب سيرورة هذا العشق ، فيقول : _

آهِ من جرحٍ يُعاندْ

ثم يُلقيني وحيدًا 

في فِراشِ التجربةْ

آهِ من وَجعِ السؤالاتِ التي 

تأتي إلينا 

كي تُفتِّش .. 

في صَميمِ الروحِ

أينَ الأجوبةْ ؟

آهِ مِنا كيفَ أصبحنا نحبُّ 

بالقلوبِ المُتعَبةْ 

سِربُ أسرارٍ سيمضي 

أو سيأتي 

كي يُذيعَ ..

كلَّ أسرارِ القلوبِ الهاربَةْ 

هل لديكِ الآنَ وقتٌ 

كي نُناقش ..

ما جرى 

لا تقولي مرةً أخرى تُرى

كم جلسْنا هاهنا

قلنا كثيرًا 

قيلَ إن الحبَّ أعمى 

قلتُ إن الحبَّ يَسمع ..

ويرى

حدثيني عن خيالاتٍ توارتْ

كيفَ قلبُ العاشقينَ

يتحدى الموتَ جهرًا

ثم يَنبض ..

دائمًا تحتَ الثرى 

لم يَمُتْ يومًا محبٌ صدِّقيني 

إنها إغفاءةٌ مثلَ الكرَى 

ليسَ للإحساسِ وقتٌ أو مواسمْ

ليسَ للحبِّ مَراسمْ

إنما الحبُّ قضاءٌ وقدرْ

فقلوبُ الناسِ جاءَتْ 

من غيوبِ الكونِ جاءَتْ

واستعدتْ للسفرْ

رحلةٌ لا بدَّ منها 

أيَّ وقتٍ 

لستُ أدري 

إننا للغيبِ دومًا ننتظرْ

*** 

روعةُ الإحساسِ شيءٌ مختلفْ

نظرةُ العشاقِ ضوءٌ 

واحتضارُ المرءِ في الحبِّ شرفْ

كلُّ من يحيا بلا حبٍّ 

كَمَيْتٍ 

لن يَرى يومًا جميلاً للأسفْ 

إننا في الحبِّ نُخفي سرَّنا

لكننا نُضطرُّ دومًا نعترفْ

كلُّ محبوبٍ ويحيا في لياليهِ 

التي لا تنكشفْ 

عندَما تأتي سهامُ الحبِّ نعرفْ 

فنرى قلبًا نزَفْ

إنها روحُ التصوف 

حينَ يصرُخْ ..

كلُّ محبوبٍ يُنادي 

يا إلهي إن محبوبي عرَفْ

دمج العلوم الطبيعية ، بالفكر الانساني ، بهذه الشعرية المفرطة ، جعلني أطلق 

على هذا النص أنه اختراع جديد ، فالحديث عن القضاء والقدر والتصوف من 

علوم الدين ، والحديث عن الموت والوجود والعمى والرؤى والخيالات

 والرحلات والسفر من العلوم الطبيعية ، والحديث عن القلوب المتعبة 

والعشق والروح والحب من جماليات الحياة في اللغة والمشاعر .

هذا نص لم يسبق إليه شاعر في العربية ، وتلك رؤية عامة ، أو مقدمة لبحث

 ربما يعينني الله على إنجازه ، وربما يكون الأمر جللا ، لكنني دوما أحفظ 

قول الله في الحديث القدسي : ( أنا عند ظن عبدي بي ) .

حفظ الله سيد شعراء العرب ، وحفظ الله محبيه ، وحفظ الله كل شعوبنا العربية .

**************



د / رمضان الحضري 

**********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق