الثلاثاء، 18 يناير 2022

محمد قجة

  بين المدينة ولهجتها 

هذه المقالة الموجزة عمرها اكثر من عشرين عاما ، وقد كتبتها تعقيبا على مقالة استاذنا الجليل الدكتور عبد الكريم الأشتر  - رحمه الله - 

اطّلعتُ في زاوية "حديث الصباح" لعدد الاثنين  10/5/1999 على الحديث الطريف لأستاذنا الدكتور "عبد الكريم الأشتر"، حول مقاربات الفصحى والعامية وأشكال اللهجات الدارجة، وذلك من خلال قالبٍ قصصي بدأ بأوراق يوزّعها طفل، وتدعو هذه الأوراق فيما تدعو، إلى إصلاح بعض مفردات لغتنا العربية وبعض مصطلحاتها وأمثالها.

وقد استوقفني في هذه الزاوية عدة ملاحظات:

*****


1- يعلم أستاذنا أن اللهجات إنما هي انعكاسٌ لمعطيات اجتماعية وتاريخية وبيئية، وبذلك نجد إطارات عريضة للهجات العربية، كما هو الحال في لهجة المغرب العربي، أو لهجة مصر ووادي النيل، أو لهجة شبه الجزيرة العربية، أو لهجة بلاد الشام، أو لهجة العراق. وهذه اللهجات لكلٍّ منها خطوطها العريضة، تتمكّن من خلال جملةٍ أن تحدد فتقول: هذه لهجة مغاربية، أو مصرية، أو شاميّة (بلاد الشام) أو لهجة شبه الجزيرة.

ثم تأتي الفروق بين المناطق والمدن، فلهجة اليمن غير لهجة نجد، ولهجة فاس غير لهجة مراكش أو تلمسان، ولهجة القاهرة غير لهجة الصعيد، ولهجة دمشق غير لهجة حلب.


2 - ولكلِّ واحدةٍ من هذه اللهجات خصائصها التي تواضعت عليها عبر أجيال من التطوّر الموضوعي، ولكلٍّ منها صفاتها المميزة من رقّة أو خشونة، ترهّلٍ أو شدّة، امتدادٍ أو انقباض. ولكلٍّ منها خصائصها في لفظ بعض الحروف بصورةٍ تفخّمه أو ترقّقه، كما هو شأن حرف (ق) واختلافات نطقه التي يصل بعضها إلى نطقه بلفظ  "همزة" أو "جيم" أو "غين  ؤبذلك يضيع المعنى في كلمة " قلم " فتصبح " ألم " في حالات الترقيق ، و "غلم ".في اللهجة السودانية . وكذلك حرف الجيم. وتعمد بعض اللهجات إلى ترقيق الحروف المفخمة أصلاً مثل الصاد والضاد بحيث يلفظان مثل السين والدال. وكل ذلك لا يتعلق بخشونة الناس أو نعومتهم أو دماثتهم، فالأمر له اعتبارات متشابكةٌ من عوامل التاريخ والتطور والبيئة.


3 - ومن هنا احب أن أتساءل مع أستاذنا العزيز "د.الأشتر" حول بعض الملاحظات التي تشير إلى (الزجر والنتر وضيق الخلق والعجز عن كسب القلوب) في إشارة إلى لهجة حلب!

وفي الواقع فإن هذه العبارات: الزجر والنتر وضيق الخلق والعجز عن كسب القلوب، أمور ترتبط بأحوال نفسيةٍ أو اجتماعية قد نجدها لدى أيّ شعبٍ وفي أية مدينة بغضّ النظر عن اللغة واللهجة. وإذا كانت اللهجات تشهد في مفرداتها وعباراتها انعكاساً لهذه الحالات النفسية أو الاجتماعية، فذلك ليس مرتبطاً بمدينةٍ معينة، وإنما هو حالة نجدُها لدى كل الشعوب وسائر اللغات على مدى الأزمان. 

كما نجد في المدينة نفسها ولدى الشعب نفسه عبارات ومفردات من الهدوء النفسي والدماثة والتودّد لدى شرائح اجتماعية أو ثقافية أو مهنية أخرى. وهذا شكل من أشكال غنى لغتنا العربية بلهجاتها المختلفة.

*****


 4 - وليسمح لي أستاذنا الجليل أن أخالفه الرأي فيما يتصل بحكاية العجز عن كسب القلوب وضيق الخلق لدى سكّان مدينة حلب. فلديّ من كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا حلب خلال القرون الخمسة عشر الماضية، الشيءَ الكثير مما يؤكد مرونة الإنسان الحلبي في ميدان العمل التجاري والتعامل مع الآخرين وجَوبه الآفاق وإتقانه اللغات الأخرى. وهذه أمور لا تنسجم مع مقولة (العجز عن كسب الآخرين).

وهذه أمثلة شديدة الإيجاز:


- يقول "دارفيو" قنصل فرنسا في حلب في القرن السابع عشر: (والحلبيون أحسن شعوب الممالك العثمانية طباعاً وأقلّهم شرّاً وآمنهم جانباً وأشدّهم تمسكاً بمكارم الأخلاق).


- ويقول "رامبلز" الرحّالة الإنكليزي في القرن التاسع عشر: (حلب كأنها لندن الصغيرة لمن يقصدها، فإنه يجد فيها الراحة والانشراح، وسكّانها هادئون ومسالمون).


- ويقول "فولني" الفرنسي: (حلب أنظف مدينة في السلطنة العثمانية، وأجملها، وألطفها عشرةً، وأصحّها مناخاً، والحلبيون هم أكثر أهل السلطنة تمدّناً).


- ويقول "جون دافيد" البريطاني: (على عكس ما يحسّه الأجنبي في أية ناحيةٍ من نواحي الإمبراطورية العثمانية، فإنه لا يشعر في حلب بأنه متكدّر أبداً).


أما الرحالة والمؤرخون العرب والمسلمون، فلا يتّسع المجال لسرد بعض أحاديثهم الكثيرة في هذا المجال، من أمثال: "ابن جبير" و"ابن بطوطة" و"ابن بطلان" و"ناصر خسرو" و"المسعودي" و"ابن حوقل".

*****

5 -  وليسمح لي أستاذنا كذلك بالقول: إن هذه الحالة الاجتماعية من التسامح والمرونة وكسب مودّة الناس لا العجز عن كسبها– إنما جاءت نتيجة عوامل تاريخية واقتصادية وجغرافية جعلت من حلب مركز التجارة العالمية منذ الفترة الزنكية حتى الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1207م أنشئت في حلب أول قنصلية تجارية أوروبية تعود إلى جمهورية البندقية ايام الظاهر غازي الأيوبي. وتتالت بعدها القناصل والممثليات سابقة بذلك القاهرة واستنبول ودمشق بعدة قرون حتى غدا عددها 80 قنصلية عام 1675م. وهذا العمل التجاري الضخم خلال أكثر من ألف سنة جعل التركيبة السكانية نشطة في ميدان الكسب التجاري والصناعي بما يلزم لذلك من مهارات وتعلم لغات ومرونة في التعامل مع الآخر.


6 - لهذا ليس غريباً أن نجد مدينة حلب كانت تستقطب فعاليات من شعوب وأديان وأعراق عديدة، انصهروا جميعاً في تاريخها وأصبحوا جزءاً من تراثها. حتى اختارتها منظمة اليونسكو مدينة كوسموبوليتية .  ولهذا ليس غريباً أيضاً أن تجد اليوم أن أكبر الجاليات السورية المهاجرة أو المسافرة للعمل في التجارة أو الصناعة هي من مدينة حلب، موزّعة على مدن الوطن العربي وأوروبا وأمريكا. 

وفي أمثالنا الحلبية مثل يقول: (أعرج حلب وصل للهند) في إشارةٍ واضحة إلى توسّع العمل التجاري.


طبعاً أنا لا أريد أن أقول إن هذا الكلام ينطبق على سكان المدينة جميعاً، ففي كلِّ مدينةٍ كبرى بيئات اجتماعية وفئات تتباين ثقافياً وعلمياً واقتصادياً، شأن كل المدن الكبرى، ولا يجوز التعميم في أية حالة من الحالات.

*****

 

7 - عودةً إلى جفاء اللهجة لو سمحتَ لي، وهذا بلا شكّ مرتبطٌ في حين وجوده ببعض المدن بعوامل مختلفة، أما أن تكون الأنهار سبباً في رقّة اللهجة أو خشونتها، فمعنى ذلك أن لهجات بغداد أو دير الزور أو حماة يجب أن تذوب رقةً لوقوعها على أنهار تاريخية قديمة، وأن لهجة جبال لبنان الصخرية يجب أن تكون بالغة الخشونة! والأمر ليس كذلك في واقع الحال.


مرةً ثانية أقول: ليس هناك تعميم، ففي لهجةِ كلّ مدينةٍ ما يكفي من مواقف الضعف والارتخاء والشدّ والخشونة وترقيق الحروف أو تفخيمها. ففي لهجة لبنان مثلاً تتم إمالة الألف في وسط الكلام عموماً، بينما تتمّ إمالة هذه الألف أحياناً في لهجة حلب، ولا تُمال هذه الألف في لهجة دمشق أو القاهرة، ونجدها تُمال في فاس وتلمسان وتونس. وبالمقابل فإن بعض لهجة لبنان مثلاً تتم إمالة الألف في وسط الكلام عموماً، بينما تتم إمالة هذه الألف أحياناً في لهجة  حلب ولا تُمال هذه الألف في لهجة دمشق أو القاهرة ونجدها تمال في فاس وتلمسان وتونس.


ومقابل ذلك، فإن بعض الحروف ترقّق أو تفخّم، كما هو شأن (الضاد) الذي تلفظه بعض اللهجات قريباً من الدال، أو تخلط بينه وبين الظاء. وحرف السين الذي تضخّمه بعض اللهجات بحيث يلفظ مثل حرف (الصاد)، شأن كلمة (الوسخ) التي تلفظ (الوصخ) في بعض اللهجات العربية

أو كلمة (قال) التي تلفظ بعددٍ مختلف من الصور حسب اللهجات، من غير أن نسمّي هذه اللهجة أو تلك بالترهّل أو الجفاء أو الارتخاء.

*****


8 -  إن بعض العبارات في بعض اللهجات يُنظر إليها بمنظارٍ (فولكلوريّ)، نتيجة التنافس التاريخي بين بعض المدن، كما هو الحال لدى كل الدول والشعوب، ومن هذا المنطلق قد نجد مدينةً تتسقّط بعض العبارات في لهجة مدينةٍ أخرى، أو يتمّ تركيز النكات على مدينةٍ دون سواها، وهذه أمور في مجملها صحّيةٌ وصحيحة وسليمة في نطاق مسارها التاريخي. وهي موجودة لدى كل الشعوب .

وفي هذا الإطار التاريخي، تأتي الأمثال التي هي تعبيرٌ عن رؤيةٍ اجتماعية بلورَتها السنون والأحداث. ومن دراسة هذه الأمثال نعرف مدى القرب، بل التطابق، ليس بين مدينةٍ ومدينةٍ فحسب، بل بين أقطارٍ وأقطار،كما هو شأن دراسة الأمثال في مصر والشام والعراق مثلاً.

*****


9 - أستاذنا الكريم.. لستُ في موقف المدافع ولستُ في موقف المهاجم.. إنني أتحدث بلسانٍ موضوعيٍّ يقتضيه البحث الهادئ والمرونة، وقد كنتَ دائماً أيها الأستاذ الكريم مثالاً للمرونة والدماثة، والمهارة في كسب القلوب والبعد عن الجفاء.

*****


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق