الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

بقلم د. عمر لشكر

ترويض المثقف !

الترويض في دلالته الأصلية يعني إخضاع الحيوانات الصعبة ، وتطويعها لأجل التحكم فيها ، واستغلالها ، واستخدامها ...
وقد انتقل هذا المفهوم من السياق الحيواني إلى السياق الآدمي بنفس المعنى والدلالة ، وأصبحنا نسمع عن سياسات الترويض والتحكم والتعديل ، سواء كان الهدف من الترويض أفرادا أو جماعات أو شعوبا  أو دولا كاملة ...
وأقصد بترويض المثقف تلك العملية الممنهجة التي ترمي إلى نقله من المشاغبة ، والمشاكسة ، والمعارضة ، والنقد إلى الملاطفة ، والمجانسة ، والمساندة ، والمداهنة ، والتبرير .
إن ترويض المثقف هو هدف استراتيجي لكل سياسة غاشمة ، وحكومة طاغية ، وأنظمة فاسدة .
لكن ، هل كل مثقف يقبل الترويض ؟
الواقع أن المثقفين أصناف :
- منهم مثقفون كالحصان الجامح لا ينفع في ترويضه علف ولا عنف ولا ملاطفة ولا موادعة ولا ملامسة ، بل كل محاولة ترويضه لا تزيده إلا إصرارا على المشاكسة والمقاومة والمعارضة .
- ومنهم مثقفون يروضون بصعوبة في الأراضي المحروثة بالطرق المناسبة .
- ومنهم مثقفون كالحمل الوديع الأليف ، أو كالجرو المذلل ، بعظم واحد ينحني ويبصبص ويحرك ذيله ويلحس ويشم ويبلع ريقه ...
إن ترويض المثقف يعني ترويض الشعب ، لأن الشعوب الواعية تنفعل بأفكار المثقفين الملتزمين ، الشرفاء الغيورين ، وتحقق طموحاتهم الثورية والإصلاحية والتغييرية ، وتساندهم في مواقفهم النضالية ، وتثق فيهم ، وترى فيهم شموع الإنارة في ظلمات السياسات الغاشمة .
معرفة المثقف أيضا قوة تهاب ، وسلطة تحارب ، وسلطته كما نص على ذلك فرنسيس بيكون ، لا تنتشر ولا تسود بالقوة والقمع والعنف ، وإنما بالكلمة الهادفة ، الصادقة ، النافذة ، الصادرة من عقل نقدي ، محلل ، مفكر ، زاهد في المظاهر والصور والمباهج ، لا يريد زروعا ولا بروجا ولا فدادين ولا مناصب ولا قلاع ولا قصبات ولا فيلات ولا عمارات ....
الثقافة أمانة ، وليست أمام المثقف خيارات كثيرة ، فإما أن يكون مع الحق والعدالة والحرية والتنوير ، وإما أن يكون مع الاستغلال والظلامية .
إن المثقف المروض فاسد خان دوره الحيوي في المجتمع : خان أمته ، وخان وطنه ، وخان تاريخه ، وخان وجوده ، وخان نفسه ...
وبخيانته العامة أصبح خطرا يهدد الوعي المجتمعي ، وسلامته ، وأمنه الفكري والعقلي والروحي ...
في كل تاريخ الثقافة والمثقفين عبر الحقب والعصور ، واجه المثقفون الملتزمون ، المخلصون ، الصادقون ، النيرون ، ثلاثة أنواع من محاولات الترويض :
- إما محاولة الترويض بالإغراء والإنعام والشهرة والمساندة الإعلامية التي لا يصبر لبريقها إلا قلة من قلة .
- وإما بالتهديد والوعيد والخنق والقهر والتهميش والإقصاء ...
- وإما بالإيديلوجيا بجره إلى الانخراط بلا وعي ولا نقد ولا تحليل ولا تفكير في الخط الإيديلوجي للحزب الحاكم ...
لقد تركت لنا سير العظماء من كبار المثقفين نماذج لشخصيات صلبة في مواقفها وقناعاتها ، ولم تلن ، ولم تنحن ، ولم تنكسر ، ولم تنخدع ، ولم تضعف أمام الإغراءات والتهديدات والإيديلوجيات ... أسماء وأسماء خالدة لا زال التاريخ يذكرها  ، وهل من أحد لم يسمع بسقراط وقصة إعدامه ؟؟؟؟
إن المثقف المروض أضر على الأمة من جاهل فتان ، لأن المثقف المروض يعرف أنه في سفط بلا حرية كثعبان بلا أسنان ولا سم ، ويدعو الناس إلى الدخول في السفط مثله ، خداعا منه وكلبنة وقردنة ، أما الجاهل فلا يضر غالبا إلا نفسه ...


كتبه الدكتور عمر لشكر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق