الأحد، 17 يناير 2021

محمد احمد إسماعيل

 قراءة في قصيدة (ستِّي).. للشاعرة رشا الفوال 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسرني النص بديناميكية استهلاله وعفويته، يتماس معي ومعك ومعه لارتباطه القيمي بحيوات عشناها وتعيش فينا حنينًا ورؤيةً وعِبرةً وعبرةً وابتسامة، فأنا أراها ستِّي (هند).. وأنت تراها ستَّك (...)، لا يهم الاسم؛ الحضور هو المهم، نصٌ تخطفك مشهديته الطاغية وبساطته البليغة وعمقه الصافي بلا افتعال ولا تشنج، صوفية اللغة تتماهى وتتشابك مع إيقاع العديد، والحضور الناصع ينفي ضبابية الغياب. 

في البدء سِتِي تقول:

"الناس بلا مقامات

كالزرع من غير جدر"

بتحليل نفسي (وهي متخصصة فيه) وتحليل تاريخي وإنساني تبدأ الشاعرة (رشا الفوال) قصيدتها الاستدعائية ب "في البدء ستي تقول"؛ وهذه الجملة البسيطة المركبة تحيلنا إلى تلاث إحالة دالة على منطلق النص وبنيته الحكائية البنائية، الإحالة الأولى "في البدء" وكأن ما يأتي بالنسبة لها هو بدء الكون والكينونة والتاريخ والخلق وبداية علاقتها بالحياة ولا يعنيها ما كان قبل ذلك من تواريخ، لأنها بالضرورة لم تعشها ولم تؤثر فيها، والثانية "ستي" ستي هنا هي حوائي المتجددة التي تبدأ بها حياتي وخصوصيتها ب (ياء المتكلم) وحميميتها وكأنها حبل سُريٌّ وعناق ممتد أبدي بين الشاعرة والجدة (ستها)، والثالثة (تقول) الفعل المضارع الآني الذي يعني الحضور والحيوية، فهي حاضرة بشدة رغم رحيلها الفسيولوجي العضوي وهي صاحبة النص وموحيته بل وحاكيته أيضا، فهي لم تقل "قالت" الماضوية التي تشي بالرحيل منذ البداية، وهو استهلال واعي حتى لو كان منطلقه لا وعي الشاعرة لأنه حضور نفسي وروحي عميق، وما يؤكد ذلك دلالة المنطوق المقوَّس استحضارا لحكمة الجدة "الناس بلا مقامات، كالزرع من غير جدر" وكأن هذه المقولة هي الضاغطة المحدِّدة لروح النص ولتأكيد جملة الاستهلال؛ فهي نتاج هذا الجدر الضارب بعمقه في الأرض ليمنحها كينونتها ومقامها بين الناس، وهي زرعه الأخضر الذي يستقبل الحياة.

يا صاحبة الكرامات

يا زارعة صبارك ومحوَّطاه بالسِدر

ومقسمة المنابات نظرات رضا ع الكُل

الخوف عسير جدًا من يوم ما سبتينا

وسابتنا ريحة الفل

 

ولعلها من شدة الشوق أو شدة الالتصاق تعجل إليها بالنداء (يا) وهي القريبة التي تعيش في جوَّانيتها تختلط الروح بالروح والجسد بالجسد والقلب واحد، والنداء هنا للمخاطب الحاضر وكأنها أمامها تماما وتكلمها هي (يا ستي)، ويتصاعد تجلي (الست ــ الجدة) حتى تصبح (صاحبة الكرامات)، والكرامات هنا بصيغة الجمع؛ كرامة الولاية وكرامة التبني وكرامة الحضور وكرامة القول وكرامة الاستدعاء الرشيد، كما سنرى، وهذا تأكيد للحضور النفسي والوجداني لها في النص. 

ثم تبدأ بهذا التهليل الموَّالي (من صيغة الموَّال في الإنشاد) لتعطي الجد هذا الملمح الملحمي المغاير للحيوات الأخرى، فهي مش أي (ست ــ جدة) لأ (دي ستي أنا وأنا عارفاها)، هكذا تقول الشاعرة أو يخيل لنا أنها تقول، "يا زارعة صبارك ومحوَّطاه بالسِّدر" الصبار هنا زرعتها الأساسية، والسدر/ شجر النبق العالي هو مجرد سياج حامٍ، فالحياة ملحمية ومأساتها أكبر من ملهاتها، ومكابدتها تليق بأبطالها.. "لقد خلقنا الإنسان في كَبَد" (4 سورة البلد).. خلق الإنسان للكد والتعب، وهي الحارسة الأمينة على زرعها، بل وتحيل مر الصبار إلى حلو الرضا ونكد العيش إلى محبات نظرات حانية.. "ومقسمة المنابات نظرات رضا ع الكل".. "ع الكل" الراعية العادلة لكتاكيت القلب.

ثم تقفز هي/ الذات/ الشاعرة إلى هذا التحول التراجيدي من خلال موالها هي لا موال الجدة "الخوف عسير جدًا من يوم ما سبتينا"، المخاطَب/ الحاضر غائب إذن، رحل، ورحل معه السياج الحامي والراعي العادل، واستفرد بنا الخوف (العسير جدًا) ودخلتنا رائحته بعد أن "سابتنا ريحة الفل" التي كانت تمنحها لهم. 

  

في العتمة سِتِي تقيد من ضلعها الأنوار

وبمنطق الآمنين..

مزامير داوود ع الصبح تفتش لنا الأسرار

وتقول كلامها الزين:

"نُص اللي حبونا ما كانوش صحيح صادقين

كُل اللي حبونا اتداروا في الأزمات"

الجدة التي كانت تشعل من ضلوعها أنوارًا وقت العتمة اختفت، رحلت، وتركتنا في عتمة أبدية، أين التي كانت "بمنطق الآمنين" تشقشق الصباح بعذوبة صوتها وكأنها (مزامير داوود) وهي تنادي علينا وتقرأ أسرارنا من كتاب وجوهنا أو من دفء فراشنا وبرودته؛ فتمنح كل واحد علاجه (النفسي) ليستقبل يومه/ حياته، وتغرد بكلامها الزين/ المليح/ الحسن الذي يقطر حكمة الأيام وتجربتها لكي يتحصنوا بها بعد غيابها.. "نُص اللي حبونا ما كانوش صحيح صادقين.. كُل اللي حبونا اتداروا في الأزمات" يا لفداحة الحقيقة؛ نصف من أظهروا لنا الحب غير صادقين، نعم يا جدتي.. سنكتفي بالنصف الصادق، لكن أن يتدارى عنا كل الذين أحبونا (النصف أو الكل) وقت الأزمات، تلك هي الكارثة، أو تلك هي طبيعة الناس فعلا، وكأنها تقول لهم "كونوا أنفسكم، وكونوا لأنفسكم، لن ينفعكم أحد"، يعني واجهوا مصيركم المحتوم.

يا صاحبة الكرامات

يا شايلة رمل وطوب

وف توبك الحكايات هيا اللي باقية لي

مين التفت للفرح وانا بنت ستاشر؟

مين اللي رش الملح ورقاني ودواني؟

مين اللي يوم عوضي بخَّر.. وعداني؟

مين اللي هشّ الوهم يوم الخبيز والدبح؟

مين اللي شاف فنجان بعيون حبيب ما تخيب؟

"جيب الدفا فاضي

ما شايلش غير أنات"

يتحول صوت الشاعرة هنا من الحكي لها باعتبارها (حاضرة) إلى الحكي عنها وقد تأكد (الغياب)، ولكن السيرة تبقى مددًا موصولًا، (يا) هنا خطاب للغائب لا الحاضر (لغويا)، تستدعي صورا من حياتها معها وتصر على أنها صاحبة الكرامات، "يا شايلة رمل وطوب" هي التي بنت وربت بمشقة الفواعلية وعرق الكادحين، ويتأكد (الحكي عن) بصيغة الفعل الماضي (التفت.. رش.. رقى.. داوى.. بخَّر.. عدَّى.. هشَّ.. شاف) كلها أفعال ماضوية تنسب للجدة؛ فهي التي فرحت بالطفلة التي أصبحت صبية ثم شابة ورشت الملح ورقت وعالجت الروح وزفتها يوم عرسها وبخرتها يوم عوضها وإنجابها، والمحاداة مازالت مستمرة، حتى أنها تهش الوهم الخبيث يوم الخبيز والذبح، حتى أنها بعينها المحبة تقرأ لها الفنجان لتعرف طالعها، كل هذا الحدب وهذه المحنة وهذا الحب، لا يُنسي الجدة أن تبصِّرَ الحفيدة/ الشاعرة بجوهر الحقيقة لكي تنتبه وتستعد.. "جيب الدفا فاضي.. ما شايلش غير أنات".. انتبهي للحياة وخديعتها فالوجع كامن في مسراتها.

يا صاحبة الكرامات

من إمتى جالك نوم وانا برة أحضانك؟

يا سِتِي ف غيابك أصبحنا كومة قش

محشوش تاريخنا حش

نتلاقى/ نتبعتر

زي الخلا في الريح.. من رعبنا نرجِف

النداء هنا للوم والعتاب، كيف يا صاحبة الكرامات (حتى في العتاب تحفظ لها مقامها العالي) تتركينني هكذا وحيدة في الدنيا؟، منذ متى يهنأ لك النوم وأنا لست في حضنك؟، وكأنها كانت تريد أن تلتصق بها وتصحبها في حياتها الأخرى، لست وحدي بل جميعنا/ زرعك تحول في غيابك إلى كومة قش يابسة هشَّة في مهب الريح أو في انتظار عود ثقاب وينتهي الأمر، "محشوش تاريخنا حش" هذا المفعول المطلق (حش) يؤكد تجلِّي الغياب والضياع، نتلاقى ونتبعثر نرجف من الرعب في ريح الخلا بعد أن فقدنا السياج الآمن المُؤمِّن المطمئن.

(مكانتش سِتِي تحيد عن حقها ساعة)

وكأنها جملة اعتراضية لتؤكد لنا/ لها/ لهم قوة الجدة وتمسكها بحقها، وحقها هنا هو حقوقهم جميعا في الحياة.

تغضب كأن الصبر من نن عين الجود

تعتب كأن القهر زايل ومش هيعود

تنصب حيطان القبر وتمهده للدود

مشدودة فوق ضهرها أجمل معاني يا خال

وأصيلة كان مهرها حزمة محبة وشال

وهذه هي تجليات ملامحها وملامح قوتها، وكأن الصبر لا يمنع الغضب بل هو عين جوده وكرمه، وتعتب رغم قهرها باعتبار أن القهر طارئ وسيزول ولن يعود، ومع تمسكها الشديد بالحياة فهي تدرك المصير وتنصب حيطان القبر وتمهده للدود، الروح للحياة.. والجسد للدود، تلك حكمتها الفطرية التي تعرفها ولا تخيفها لولا خوفها على زرعتها من بعدها، مشدودة الظهر أو فوق ظهرها وعلى أجنحة روحها تنتصب أجمل المعاني في استقامة لا عوج فيها، "يا خال" وكأنها تلجأ إلى حضن خالها الفسيولوجي فهو الأقرب للجدة لتتلمس فيه بقية دفء (ستها)، أو تلجأ مرة أخرى إلى حيلة الموال الحاكي لجموع الناس كما يلجأ صاحب الموال للخال أو العم أو الأب في المطلق، ولأن الجدة أصيلة بكل هذه الصفات فهي ليست ممن يغتر بزخرف الدنيا ولكن تكفيها، لقناعتها وعِرفانيتها كراماتها، حزمة محبة وشال، حتى الحزمة هنا دليل الحياة/ الاخضرار الذي كان.

"سِتِي مليحة الحي

مرايتها ما تزغللش

صافية كصفحة نيل

ملايتها ما بتشغلش إلا اللي طبعه أصيل"

ويقولوا عاش (أحمد)

سبحانه مَن أوجدْ..

من صبرها هيبته

سبحانه سبحانه

ويقولوا كان (أحمد).. زي الرواحل فات

شايب من الأحوال

زي النبي (دانيال)

أو (نوح) في وسط اليَمّ

تضوي ف عينيه لمعات

يا صاحبة الكرامات

ومفسَّرة المفاضيح

لا تآمني ليهم يوم ولا تخطري ريحهم

وان شفتي حالهم شين

كات دعوتك في الحال:

"يا رافع الأهوال.. وقت الردى والنزغ.. ومنجي خُدامك

يا سيدي ريَّحْهم.. وامنحهم الأَبْدال"

يغلبها الحزن فيشد منها هذه المرثية التي هي أقرب للعديد، ولو أنها لم تلتزم بتقنيته البنائية البكائية المعتادة، لكنها تصف وتبكي على أية حال، فهي عدُّودة ممتدة تخصها وحدَها، لا تنتظر الترجيع الباكي المنغَّم من نسوة غائبين كالأحبة الغائبين كما كشفت لها (ستها) في بداية الحكمة، تبدأها الشاعرة بالوصف ــ وكذلك تفعل العدُّودة ــ  " سِتِي مليحة الحي.. مرايتها ما تزغللش.. صافية كصفحة نيل.. ملايتها ما بتشغلش.. إلا اللي طبعه أصيل"، آه يعني (ستي مش أي ست)، ثم تعرج على أحمد/ الجد/ الابن وارتباطه بشخصية الجدة تأثيرًا وتأثرًا، دون أن تصف العلاقة التي بينهما للمتلقي الذي لا يعرف (أحمد)، لكن حضوره في النص يلغي مجهوليته النَسَبيَّة، ويدخله في الحدوتة/ الملحمة؛ فهو "شايب من الأحوال" وتلك مآلات أبطال الملاحم ومصائرهم التراجيدية، يواجهون الأحوال والأهوال، كالنبي (دانيال) الذي واجه الأسر البابلي وصارع الأسود في وكرها وفسَّر حلم آسرِه (نبوخذ نصر)، ونجاه الله بدعوته فأرسل إليه حاجته مع النبي (أرميا) أيضا، رغم أن أرميا كان في أرض فلسطين ودانيال في أرض بابل، وتلك أيضا من سمات أبطال الملاحم وأحداثها العظام، بل وكنوحٍ النبي أيضا ومصارعة الفيضان، برغم ذلك يواجه (أحمد) الأهوال بلمعة عينيه المتحدية الواثقة، ثم ما تلبث الراوية/ الشاعرة أن تعود إلى حضن (ستها) المُتخيل في سياق العدودة الممتد، وتناديها بندائها الأثير المحبب لديها "يا صاحبة الكرامات" وتضيف إليها هنا بما يليق بكرامة الأولياء في الكشف "ومفسَرة المفاضيح" وكأنها/ الجدة بشفافية صوفيتها ترى باطن الآخرين وتعرِّي دواخلهم، وتَحذَر هي وتُحذِّر الطيبين من (المفاضيح) ببصيرة العارفة، وتستغيث برافع الأهوال وقت الخطر والموت ونزغ الشيطان أو النفس، ومنجِّي الخُدَّام المحبين، وتدعو لهم بالتحول وأن يمنحهم الله الأبدال الصالحين، وهذه أيضا (الأبدال والحلول) من تجليات اعتقادات الصوفية.

سِتي اللي كات بحالات

تنشد في عز اليأس

والبؤس والشدة

تعند ف عز الفيض

وتقول: ما نيش رادَّة..

على حد قلبه خفيف

سِتي ام رمش عفيف

كانت كما الأوتاد

لا تستجيب للحزن

ولا تسعى للغايبين

كانت تقول:

"الناس مخلوقة من طبعين

طبع المريد يلزم كالضل لحبيبه

طبع الشريد تحرم سيرته وتعذيبه"

ويتوالى الحكي عنها بنفس المدد والحس الصوفي والاستعانة بقاموسه اللغوي والتصويري، "بحالات".. تغني في عز الشد واليأس و"تعند في عز الفيض" وكأنها تتبع يقينها الخالص لا ظواهر الحوال، ويقينها هذا يمنحها ثقل القلب وثباته فلا ترد على "حد قلبه خفيف"، "ستي ام رمش عفيف" صورة مجازية للعفة الكاملة للجدة تغني عن كل إشارة، "كانت كما الأوتاد.. لا تستجيب للحزن.. ولا تسعى للغايبين" ثبات القلب هو درعها في مواجهة الحلالات وتقلباتها، "طبع المريد.. طبع الشريد" من صفحة المنتصف في المعجم الصوفي العرفاني.

بتجيبي صبر منين ع الظلم والأوجاع

بتجيبي صبر منين على ضيقة الأتباع

دُقنا المرار والذل/ أصبحنا كومة قش

نتلاقى/ نتبعتر

يا سِتِي جاوبينا بلسانك العارف

الخوف عسير جدًا من يوم ماسبتينا

من يومها غاب الكل

الخوف عسير جدًا من يوم ماسبتينا

من يومها غاب الضِل

والفل وعواطف

 

تعود هنا الشاعرة للبدء، للحقيقة التي لا تعرف سواها، "ستها" حاضرة وتراها يقينا؛ تستردها بعد الغياب النصي لا الوجداني، فيتحول الخطاب للحاضر تبعا لذلك، وتقذف لها بمجموعة التساؤلات التي لا تعرف لها إجابة،تستغيث.. "يا ستي جاوبينا بلسانك العارف"، لا يفارقها المعجم الصوفي حتى في ختام المشهد/ النص، وإن كان من اللائق هنا أن تقول "بقلبك العارف" ليستقيم التجلِّي الروحاني، "بتجيبي صبر منين.." أنا لست أنتِ وتربكني المواجهة أمام هذه الحياة العاصفة ولم أبنِ سياجًا من شجر السدر لأحمي زرعتي، فالحفيدة أصبحت أمَّا وأوشكت أن تكون جدة، وتكرر ما بدأت به "أصبحنا كومة قش".. و" الخوف عسير جدا"، ولكنها هنا تضيف مأساتها الخاصة التي قد تتشابه معي ومعك.. "من يومها غاب الكل.. من يومها غاب الضل والفل وعواطف"، فالجدة ليست واحدة (من كل) بل هي (الكل ــ السِّياج) الجامع المانع الشامل، فكيف أواجه ملحمتي وحدي كما واجهتِ أنتِ؟.. وأنا لا أملك مقومات بطلات الملاحم!.

 

نص الشاعرة (رشا الفوال) يأسرك بحالته الإنسانية العامة، ويدخلك في التجربة طواعية لتواجه مصيرك معها، بلغته البسيطة العميقة "غيرِ المُتفذلِكة" ليقول لك/ لنا.. إن الحاضر هو كل تحليات الماضي، وإن الماضي هو (جدر) المستقبل.. 

فكُنْ.. وتَحصَّنْ.. ووَاجِهْ.

........

(النص)

.......

في البدء سِتِي تقول:

"الناس بلا مقامات

كالزرع من غير جدر"

يا صاحبة الكرامات

يا زارعة صبارك ومحوَّطاه بالسِدر

ومقسِّمة المنابات نظرات رضا ع الكُل

"الخوف عسير جدًا من يوم ما سبتينا

وسابتنا ريحة الفل"

في العتمة سِتِي تقيد من ضلعها الأنوار

وبمنطق الآمنين..

مزامير داوود ع الصبح، تفتش لنا الأسرار

وتقول كلامها الزين:

"نُص اللي حبونا ما كانوش صحيح صادقين

كُل اللي حبونا اتداروا في الأزمات"

يا صاحبة الكرامات

يا شايلة رمل وطوب

وفْ توبك الحكايات هيَّ اللي باقية لي

مين التفت للفرح وانا بنت ستاشر؟

مين اللي رش الملح ورقاني ودواني؟

مين اللي يوم عَوَضِي بخَّر.. وعدَّاني؟

مين اللي هشّ الوهم يوم الخبيز والدَبح؟

مين اللي شاف فنجان بعيون حبيب ما تخيب؟

"جيب الدفا فاضي

ما شايلش غير أنات"

يا صاحبة الكرامات

من إمتى جالك نوم وانا برة أحضانك؟

يا سِتِي فِ غيابك أصبحنا كومة قش

محشوش تاريخنا حش

نتلاقى / نتبعتر

زي الخلا في الريح.. من رعبنا نرجف

(ما كانتش سِتِي تحيد عن حقها ساعة)

تغضب كأن الصبر من نن عين الجود

تعتب كأن القهر زايل ومش هيعود

تنصب حيطان القبر وتمهده للدود

مشدودة فوق ضهرها أجمل معاني يا خال

وأصيلة كان مهرها حزمة محبة وشال

"سِتِي مليحة الحى

مرايتها ما تزغللش

صافية كصفحة نيل

ملايتها ما بتشغلش إلا اللي طبعه أصيل"

ويقولوا عاش (أحمد)

سبحانه مَن أوجدْ.. من صبرها هيبته

سبحانه سبحانه

ويقولوا كان (أحمد) زي الرواحل فات

شايب من الأحوال

زى النبي (دانيال)

أو(نوح) في وسط اليم

تضوي فْ عينيه لمعات

يا صاحبة الكرامات

ومفسَّرة المفاضيح

لا تآمني ليهم يوم ولا تخطري ريحهم

وان شفتي حالهم شين

كات دعوتك في الحال:

"يا رافع الأهوال.. وقت الردى والنزغ.. ومنجي خُدامك

يا سيدي ريحهم وامنحهم الأبدال"

سِتي اللي كات بحالات

تنشد في عز اليأس

والبؤس والشِّدة

تعند فِ عز الفيض

وتقول: ما نيش رادة على حد قلبه خفيف

سِتي ام رمش عفيف

كانت كما الأوتاد

لا تستجيب للحزن

ولا تسعى للغايبين

كانت تقول:

"الناس مخلوقة من طبعين

طبع المريد يلزم كالضل لحبيبُه

طبع الشريد تحرم سيرته وتعذيبُه"

بتجيبي صبر منين ع الظلم والأوجاع

بتجيبي صبر منين على ضيقة الأتباع

دقنا المرار والذل/ أصبحنا كومة قش

نتلاقى/ نتبعتر

يا سِتِي جاوبينا بلسانك العارف

الخوف عسير جدًا من يوم ما سبتينا

من يومها غاب الكل

الخوف عسير جدًا من يوم ماسبتينا

من يومها غاب الضِل

والفل وعواطف.

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد أحمد إسماعيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق