الخميس، 16 ديسمبر 2021

الصوفي الصافي

 دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة لرواية " ملاذ الوهم والتيه " ل " عبدالكريم عباسي" .



عنوان الدراسة النقدية الذرائعية : "  الحقيقة والذريعة أو الوعي الممكن في رواية " ملاذ الوهم والتيه ".

الدراسة من إعداد : عبدالرحمان الصوفي / المغرب


أولا - التقديم :


إن منطق الطرح النظري الذرائعي التحليلي يلزمنا ويحكم علينا على أن نكون في مستوى صيغة الإبداع وجنسه ، أن نغوص فيه بعيدا عن الانطباع والإنشاء والتسرع الكفيف و أدوات الزنازين النقدية الصدئة المستوردة ، وأن يكون دافع الغوص الذرائعي هو البحث عن الحقيقة الزئبقية ، التي تفرض على الغواص تسلحه وقبوله إمكانيات الحوارالنقدي المتعدد باستخدامه أدوات مدخلية منهجية عربية تتعامل بعدل مع السطح اللامع لقشرة النصوص ولا تحدث فيها أي شرخ قبل ولوج أعماق النصوص واستخراج لؤلؤها اللغوي العربي الساحر ، بعيدا عن قضبان زنازين النقد العربي البئيس الذي لم يخرج بعد من وصاية وجلباب سيده ( الفرنكفوني أو الأنجلوسكسوني ) .  ما أصعب أن نكتب باللغة العربية وبالعقلية العربية وبالهزام العربية وبالتقهقر العربي والنخوة العربية والإحساس العربي وبالحلم والآمال العربية ... ما أصعب أن نكتب نقدا بنظرية عربية ... ومن هنا نطرح الأسئلة الفكرية المشروعة التالية :

- هل استطاعت هذه المفاهيم النقدية الغربية إثبات حضورها وموقعها في تربة غير  تربتها ؟ .

- هل الواقع العربي الراهن على الأقل في ضوء ما عاشه ويعيشه من اضطرابات سوسيوثقافية جعلته بعيدا كل البعد عن إنتاج فعل نقدي عربي ؟

- هل ظروفه التاريخية جعلته محروما من الثقة في ذاته لإنتاج نظرية نقدية عربية ؟ .

أسئلتنا ليست احتقارا لما يكتبه النقاد العرب ، وإنما نريد التأكيد على أن الناقد الأدبي العربي لم يخرج بعد من وصاية آراء نقدية وليدة ترجمات أوروبية نتج عنها غموض في الرؤية الكلية للنص العربي وللعربية التي تتميز عن كل لغات الكون ( وهذه المميزات أصبح يعرفها كل مهتم ) ، أو آراء نقدية أخرى هي حنين إلى التراث النقدي الذي استهلك نفسه ، هذا بالإضافة إلى أن الناقد العربي وضع نفسه في زاوية لا يحسد عليها ، بسبب رغبته في إيجاد بيئة عربية لنظريات نقدية غربية فرضت قهرا على اللغة العربية لتطوعها وتجعلها جاهزة لتقبل قوالب نظرية جاهزة ...

إن الكتابة الروائية تدافع وتتفاعل مع قضايا عصرها ، وأن وعيها مرتبط بثقافة بيئتها ، فالروائي لا يمكنه أن يقف موقف الحياد من واقعه ، فإذا كنا فهمنا الواقعية الروائية في علاقتها بالواقع ، لأن الرواية التقليدية اهتمت بالواقع إلى حد التماهي معه ، ذلك أن كاتبها يسعى إلى تصوير الحقيقة عن طريق عرض المعضلات الفردية والإشكاليات الاجتماعية

والتاريخية والسياسية ... ويعكسها كما هي في الواقع بأدق تفاصيله ويصورها تصويرا أمينا ، ويقوم بتحليلها وشرحها والكشف عن أسباب الداء محاولا إيجاد حلول مناسبة قادرة أن تغير ذلك الواقع ( الواقع الكائن إلى ما ينبغي أن يكون ) ، إلى أن أصبحت واقعية الرواية تقاس بمدى مطابقتها لأصلها المرجعي ( الواقع ) ودرجة التماهي معه ....

لكن قد يتجاوز الروائي كل عوالم الواقع ليشكل عوالم على نحو الممكن والمحتمل والمستحيل والمتخيل ... حيث نشأت الكتابة الجديدة بوعي جديد ، بحكم تغيرات الواقع السوسيوثقافي ، الذي استمد أنساقه الفنية والأدبية والفكرية من عوالم سردية مثيرة للدهشة والحيرة والتأمل والصدمة والانفتاح والانغلاق ... أرادت من خلال هذه العوالم  إبراز البعد السياسي بالأساس ، والذي يمثل البؤرة الفجائعية في المرحلة الراهنة التي يجتازها العالم العربي خاصة ، لذلك نجد الرواية الجديدة تثير الكثير من التساؤلات دون الإجابة عنها ، وتهتم كذلك بتشخيص القضايا الثّقافية والاجتماعية وغيرهما  بإحساس قوي وشعور واع  بحركة الحياة المتسارعة وبالقضايا الكبرى المتعاقبة في الوطن العربي والعالم التي تفاجئ الروائي كل لحظة وحين ، فتجهله مضطرا لإسناد رؤيته  على أبعاد فنّية وفلسفية وعجائبية والأيديولوجية رغبة في تنويع تقديم عوالم الرواية  ، كما أن هذا النوع يهتم بالكيان والهوية وتحقيق الذّات ... وهذا لا بعني غياب الموقف ، بل إن المتخيل والممكن والمحتمل نجده متجليا في  مواقف اجتماعية وسياسية وثقافية ...

سنستند في غوصنا الذرائعي المستقطع في رواية " ملاذ الوهم والتيه لعبدالكريم عباسي ، على مفهوم الحقيقة والذريعة ( النظرية الذرائعية العربية ) أو الوعي الممكن  في الرواية .


ثانيا - توطئة :


يقول " عبد الرزاق عوده الغالبي " : " هل الحقيقة هي الأصل أم الأصل هو الحقيقة وما موقع الذريعة من ذلك...؟ ...وبرأيي ، لا حقيقة دون أصل تسنده ذريعة ، فإن التأصيل هو جوهر الفلسفة ، وهو القاعدة للوصول إلى الحقيقة ، وهو منظور يفضي نحو التأمل في الأشياء بشكل منطقي للوصول نحو عمق جوهرها ، وكل شيء في الحياة ينبع من ثنائية واقعها ملموس وأصلها مخفي ، وينظر الماديون على أنها نوع من الفلسفة الأحادية تتبنى المادة على أنها المكوّن الأساسي للطبيعة ، وأن كل الأشياء ، بما فيها الجوانب العقلانية كالوعي ، هي نتاج لتفاعلات مادية ، أما المادية بشكل مبسّط فتحدّد العالم بعناصر محددة (مثل العناصر الأربعة نار ، هواء ، ماء ، وتراب) وهي تنظر للحقيقة من منظور الوعي المادي ...

الفلسفة الأحادية monolithic philosophy التي يمارسها الفلاسفة الغربيون بثلاث أنواع : نوع مثالي ونوع مادي والثالث محايد ، لكنها تتفق على أن الأشياء المتنوعة الموجودة في الكون تتكون من مادة واحدة ، وبهذا تكون خاصية الكون الأساسية هي

الوحدة ، تتعارض هذه النظرية مع الثنائية ، التي تقول بوجود واقعَين (مادي وفكري) ، وتنظر للكون بنظرة مثالية و موقف فلسفي نظري وعملي يردّ كل ظواهر الوجود إلى

الفكر ، أو يجعل من الفكر منطلقًا لمعرفة الوجود أو الحقيقة ، مؤكدًا على أسبقية المثال (بكل معانيه) على الواقع ، هو المذهب القائل بأن حقيقة الكون أفكار وصور عقلية ، وأن العقل مصدر المعرفة في الواقع ، و يدحض فيها الجانب غير الملموس أي الجانب المخفي أي (الأصل) الذي يكون عند هذه الفلسفة (غياب) إلا بالرؤيا ، والواقع فيها يغطي اللاواقع ، والوعي ينفي اللاوعي ، والصوت ينفي الكتابة ، وهذا جوهر حديثي ، الذي زج فلاسفة الأحاديات اللغةَ فيه ، واستكثروا الميتافيزيقية على مريدي الجانب الثنائي...

ومن وجهة نظري العكس هو الصحيح ، وبمنظور حضاري علمي واقعي ، فلا يخلق حي إلا من جذر ، ولا يخرج مرئي إلا من مخفي ، ولا نهار إلا من ليل ، والنظرة المادية تقيس الشيء بوجوده الفيزيائي لإشغاله حيزًا من الفراغ ، وهذا إقرار لوجود المكان وأهميته في الوجود واللاوجود ، وهذا بحد ذاته يقودنا نحو التبادل المكاني ، فحلول الليل يحتل مكانه النهار ، وحلول النهار يحتل مكانه الليل ، وتلك حقيقة تفهم بالنتائج وليس باللمس أو الرؤيا ، فكل موجود في الدنيا ينبع من أصل غير مرئي ، وتلك هي "ثنائية" الموجودات التي أثبتها التقدم العلمي والحضاري ، وغيّب فيها الفلسفة في قرننا التكنولوجي هذا ،  فما عادت الفلسفة كافية لاكتشاف الحقائق ، بل عوّض التقدم العلمي بكشف الأسرار التي كانت في سابق عهدها وقبل قرن حيزًا من الافتراضات..." ( 1 )


ثالثا - المدخل البصري لرواية لرواية  " ملاذ الوهم والتيه " .


رواية " ملاذ التيه والوهم " ل " عبدالكريم عباسي " ، رواية من الحجم المتوسط ، تضم مائة وست وسبعين صفحة . تبدأ الوحدة السردية الأولى المعنونة ب " نحو المجهول " بملفوظ حواري " من فضلك ، متى ينصل إلى ...؟ ، وتنتهي بالوحدة السردية الأخيرة " نهاية المضيف " بالملفوظ الاتي : " وداعا ! ...وداعا أيها المخلص ! ..." ، وتتوسط الحواري الأول ، والملفوظ الأخير اثنان وثلاثون وحدة سردية أخرى ، نقتطف من عنوانها ( في ضيافة المقدم - هناااااااااااااااك - وراء الستار - غيرة " فقيه الدوار " - احتيال من المقبرة - الطلاسم - الحضرة - الحركة الانتقالية - نهاية الديك - تيه في الصقيع - ) وعناوين صغرى أخرى ، وكلها غايتها جعل القارئ يتدرج في متابعة المشروع السردي ككل .

صدرت الرواية في طبعتها الأولى عن دار النشر " مطابع الرباط نت " سنة 2016 ، لوحة الغلاف من إبداع للفنان التشكيلي عبد الكريم الأزهر .

تضم الرواية إهداء قصيرا جدا ( إلى الذي كاد أن يكون رسولا ) ( 2 ) . أما التقديم فأنجزه الدكتور " أحمد أباش " ، الذي جعل رواية " عبدالكريم عباسي " تتميز بثلاث سمات ،

وهي كالتالي :

" أولا : تكسير خطية السرد وبنية الزمن واستثمر التراث ، والبيئة

الطبيعية ، والبنية الاجتماعية وأعراقها ، وأعرافها المتنوعة والعادات الراسخة والتقاليد الموروثة ، وغيرها من المكونات الشكلية التي غذت النص وطورته بشكل كبير .

ثانيا : توجيه عمله إلى إرباك الخطى التقليدية في الرواية ذات النزعة الاستغرابية أو الاستشراقية أو هما معا التي أدت إلى غربة الأدیب وتعمیق الھوة بینه وبین قارئ له.

ثالثا : توظيف روايته لخدمة تأملات نظرية جديدة في صياغة الرواية المغربية. وهذه ظاهرة مشجعة، ومنذرة، بكل ثقة وبقوة ، أن نوعا جديدا من الرواية المغربية قادم لا محالة.

في كل الأحوال ، تتجاوز هذه الرواية محطات التحول التي لازال يعرفها أدب الرواية بالمغرب ، إذ تشرع صراحة ، في اعتقادنا ، في رسم الخطوط العريضة لاستقلال الأدب عن الخطابات الإيديولوجية باعتباره غاية لا وسيلة ، أدب يبلور أسئلة مغايرة ، متحرر من قيود المدرسة التقليدية ، منفتح على مرجعيات فكرية وفنية جديدة تبلور النظر في الخلفيات الفلسفية والديماغوجية التي حكمت الكتابة الروائية السابقة ، وتسمح بانطلاق الإبداع والبحث المتواصل عن جماليات جديدة مغايرة في الكتابة والتعبير ..." (3 ) الصفحة 8 و 9 .


رابعا : السيرة الذاتية لمؤلف رواية " ملاذ الوهم والتيه" .


* عبدالكريم عباسي :


-  من مواليد 1965

-  أستاذ مؤطر للغة الأمازيغية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بفرع خريكة .

* حاصل على عدة جزائز جهوية ووطنية :

-  جائزتان جهويتان على التوالي في سنتي 2008 و 2009

منحتا له من أكاديمية جهة الشاوية- ورديغة ، في المجال المعلوماتي في الأمازيغية والبيداغوجيا .

-  جائزة الاستحقاق الوطني لأطر التربية والتكوين عن سنة 2010 , صنف التربية والتكوين ، منهحت له من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية .

* من إصدارات الكاتب :

-  قصة " المصيدة " في جزأين سنة 2014

-  ثلاث مجموعات قصصية مصورة للأطفال بالأمازيغية ، تتضمن 10 حكايات ، من منشورات مركز البحث الديداكتيكي والبرامج البيداغوجية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية .

-  مترجم لعدة بحوث وأعمال بالأمازيغية ، كترجمة المجموعة القصصية " السوق اليومي " للقاص " هشام حراك " للغة الأمازيغية بحرف تيفيناغ . وحاصل على عدة شواهد تقديرية وعضويات شرفية من عدة جمعيات ثقافية ، وأخرى مهتمة بالإنتاج الرقمي المعلوماتي .


خامسا - من الوهم إلى التيه / الوعي الممكن في العنوان / " ملاذ الوهم والتيه "


1 – العنونة كمفتاح وانفتاح على التفسير والتأويل :


الوعي في اللغة يدل على فهم الشيء وحفظه وفقهه والإحاطة به.

أما مفهوم “الوعي” (Cognition) فلهذا المصطلح دلالات عديدة، ولكن أهم معانيه تتجلى من خلال علمين أساسيين في الإنسانيات الحديثة : علم النفس وعلم الاجتماع.

في علم النفس : يشير مصطلح الوعي أولاً إلى حالة " اليقظة " العادية ، ويشير ثانيًا إلى قدرة الإنسان المتميزة الخاصة على الشعور بذاته، وتمايز ذاته عن الآخرين وعن الأشياء والكائنات الأخرى .

أما علم الاجتماع : فقد شرع في التركيز على أن الوعي نتاج لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان ، ولقدرة الإنسان على العمل وابتكار اللغة ، وأن الوعي بهذا الشكل يصبح النتاج المباشر لتفاعل المعرفة المكتسبة فرديًّا أو اجتماعيًّا مع الدماغ (المخ)؛ وبالتالي، يصبح اللاوعي جزءًا من الوعي ، ويتبادلان في الوقت نفسه التأثير والتأثر (4 )

إذن ، الوعي الممكن  معرفة يكتسبها الفرد من مجتمعه ، ومن تفاعله معه ، وتترسخ هذه المعرفة بحيث تصبح مركوزة  في اللاوعي ، أي في العقل والشعور الباطن لدى الإنسان ، ثم هي معرفة قابلة للنمو والتطور .

يقول الناقد حميد ركاطة في دراسته لرواية " ملاذ الوهم والتيه " : ملاذ الوهم والتيه كعتبة ، تطرح أكثر من سؤال ، يحمل في طياته انتظارات كبيرة ، لكنها مفتوحة على المجهول ، وعلى نهاية موجعة. " فالعنوان من أهم عناصر النص الموازي وملحقاته الداخلية ، نظرا لكونه مدخلا أساسيا في قراءة الابداع الأدبي والتخييلي بصفة عامة ، والروائي بصفة خاصة " وقد نادى بها كل من لوسيان غولدمان ، وهنري متيران ، وشارل كريفل ، وروجر روفر، وجيرار جينيت . و اعتبر د. جميل حمداوي دراسة هذا الأخير seuils)) أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات بصفة عامة.( 2)

وتكشف مسارات الرواية تركيزها على سبعة محاور رئيسية نذكر من بينها: المقدس

والروحي والمدنس / تراتبية السلطة المخزنية بالبادية المغربية / صورة المرأة داخل

الرواية / هشاشة المنظومة التعليمية / الحياة البدوية والنظرة إلى الآخر/ فظاعة الموت / قصة الثعبان.

وقد تم تمرير الخطاب الروائي بالنسج على سارية رئيسية ارتكازا على الكتابة النفسية ، والوصف ، والتقابل الضدي ، وتضمين أكثر من حكايات جانبية ، وقد اعتمد في ذلك على تمرير سلس ، وفق ترتيب لا يفقد الحكاية الأصلية رونقها ، بل أفعمتها بمزيد من الحيوية ، والتشويق ، والإثارة. لنتساءل عن أهم الخلفيات الفنية والجمالية التي كتبت بها الرواية ؟ "  (5)

" كلما انتظر أمين الصبح ، يزداد طول الليل .. يعاكسه ..عيناه مركزتان على شقوق الباب والنوافذ ، ينتظر نورالصباح لعله يخرج ليستنشق الهواء الذي حرم منه طول ليلة ليست كسائر الليالي . ليلة بشهر ، بل بسنة . بات يتساءل في نفسه : هل سأبقى هكذا طول مكوثي هنا في هذا الدوار ؟ ..." ص : 40

تجارب الحيات بكل تجلياتها تروى في الرواية بطرائق وأساليب فنية متعددة ، تتولد عن رؤية المؤلف المنتجة لهذا العمل الروائي ، كما أن الاختلاف في استخدام وتفضيل إحدى التقنيات السردية عن أخرى ، يعود لاختار المؤلف الراغب في تقديم سرد جديد يكون من باب التجريب في الرواية .


سادسا - الوعي الممكن بالزمان في رواية " ملاذ الوهم والتيه "


1 –  الوعي الممكن والولوج إلى عالم الرواية :


جاء في  " مقاييس اللغة ":  " الواو والعين والياء : كلمةٌ تدل على ضَمِّ شَيْءٍ. وَوَعَيْتُ الْعِلْمَ أَعِيهِ وَعْيًا. وَأَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الْوِعَاءِ أُوَعِّيهِ " (6/ 124).

وفي  " لسان العرب ": الْوَعْيُ : حِفْظُ الْقَلْبِ الشَّيْءَ. وَعَى الشَّيْءَ وَالْحَدِيثَ يَعِيهِ وَعْيًا وَأَوْعَاهُ : حَفِظَهُ وَفَهِمَهُ وَقَبِلَهُ ، فَهُوَ وَاعٍ ، وَفُلَانٌ أَوْعَى مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَحْفَظُ وَأَفْهَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ : (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ). الْأَزْهَرِيُّ: الْوَعِيُّ الْحَافِظُ الْكَيِّسُ الْفَقِيهُ " (15/ 396) .

الوعي الممكن في شموليته هو معرفة للمجتمع والحياة ، معرفة تستمد ستمدها من التجارب ومن الوحي ، مما يجعل الوعي الممكن  متميزا ومتمايزا ، من حيث لا يقتصر هذا الوعي على الماديات وما تدركه الحواس .

ولا يشك عاقل في أن التحلي بالوعي الممكن بات ضرورة ملحة وضرورية ، فالكوارث التي نعيشها ، والهزائم التي تكتوي بنارها البلدان العربية وغياب العدل التبعية العمياء ، إنما  هي بسبب غياب الوعي المناسب للتحديات التاريخية المفروضة ، وللآمال المعلقة.

ولذا ، فقد شكا الشيخ محمد الغزالي من غياب الوعي عند الأمة ، فقال رحمه الله : "الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء. وقد انتمت إلى الإسلام اليوم أمم فاقدة

الوعي ، عوجاء الخطى ، قد يحسبها البعض أممًا حية ولكنها مغمى عليها. والحياة

الإسلامية تقوم على فكر ناضر؛ إذ الغباء في ديننا معصية ..."  ( 6 )


2 - الوعي الممكن بالأنساق الزمانية  في رواية " ملاذ الوهم والتيه " .


يعيدنا الوعي الممكن في رواية " ملاذ الوهم والتيه " إلى مهارة التلاعب بالأنساق الزمانية في رواية عبدالكريم عباسي ، نبين منها ما يلي :


أ - النسق الزمني الصاعد :


يعرض لنا هذا النسق بداية زمن الحبك الروائي ( من فضلك متى سنصل إلى ... ؟ ) ، ثم تتتابع الأحداث فيه تتابعاً زمنياً (كرونولوجياً) كما تتتابع الجمل على الورق ...ويبدأ زمن الحبك من الحاضر إلى المستقبل " نحو المجهول " ص : 10 ، حيث نقرأ

" ... كل شيء يغلي في داخله كبركان يكاد ينفجر ، فتنساب حممه لتحرق كل شيء ، الماضي والمستقبل ، تتلف أمله في لحظات لا تريد أن تجيبه إلا بأداة استفهام مرسومة في

سراب مخيلته ، وعلى محياه ذاهب ولا يعلم إلى أين هو متجه ، ولا يعرف إلا اسما مجهولا غير متداول . اسم مكان منعدم في الزمان . منعدما في واقعه ..." الصفحة :11

تجيد الرواية استعمال الوعي الممكن بالتوثيق والتصوير الوثائقي( كأن الطريق تشارك في مخاض عسير ) وبالسياسي ( كأنه ذاهب لمنفى إجباري ...أو سجن معزول في جزيرة مهجورة ) وبالجغرافي ( اختلط عليه الشرق بالغرب والشمال بالجنوب ) ...إن الوعي الممكن ساهم في التعبير الفاعل عن الواقع الموضوعي في الزمن الصاعد ، حيث صار الفعل الروائي مؤمنا بما هو أعلى من الواقع وهكذا تملصت الرواية بمهارة من فتور سرد الواقع . كما أن الشخصية المحورية تحضر بقوة من خلال بداية الوحدة السردية الأولى في هذا النسق الزمني الصاعد ( تكاد ) ( تكاد أمعاء أمين تخرج من بطنه ) ص : 12

ويتبين من الشخصية الروائية وحدة دلالية ، مثل أي علامة لغوية ، من خلال دالها ومدلولها ..

إن الوعي الممكن  بالزمن الصاعد في الرواية  ينشط السرد الروائي فيخرج به تدريجيا من الجزئي إلى الكلي .

" جلس أمين يتأمل حاله ، وما آلت إليه أوضاعه . يعلم أنه سيواجه صعوبات جمة . كيف سيجلب الماء ؟... كيف سيحصل على الخبر ؟ ...على الأمان ؟... كيف سينتقل في الدوار بدون قيود ؟... تساؤلات بقيت عالقة ، لن تجيبه عنها إلا الساعات القادمة .. لكن ، عليه أن يؤمن بالقدرة على خيره وشره ، وينتظر الآتي من الأيام ..." ص : 34


ب - النسق الزمني المتقطع:


يعرض لنا هذا النسق فترة ما من زمن الحكاية أي الزمن  الراهن ، ثم تتوالى الأحداث فيه متقطّعة بتقطّع أزمنتها عبر سيرها الهابط من الحاضر إلى الماضي ، أو الصاعد من الحاضر إلى المستقبل . وهذه التشظية للزمن تترافق وتتناغم مع تبدل في المكان والأحداث والشخصيات مما يمنح السرد في الرواية  حيوية  ودينامية ، وتتجسد في قدرته ( السرد )  على شد انتباه القارئ ، وتحفيزه على الربط بين مسافة سردية وأخرى وبين نسق زمني وآخر  ...

" عاد وهو يكر في هذا السيناريو الإنذاري . في كلام الشابين . في رد الفعل الأول . دخل إلى القسم - المسكن وهو في صدمة كبيرة . أعد وجبة غذائه الخفيفة ، وأعد كأس شاي .

لكنه فقد شهية الأكل جراء ما رأى وما سمع ، فتذكر ما حذره منه الشيخ رحو ..." ص : 36


ج - النسق الزمني الهابط :


يعرض لنا هذا النسق نهاية زمن الحكاية ، ثم يبدأ بالنزول تدريجيا عبر المفارقات الزمنية وصولا إلى بدايتها ، لكن النسق الزمني الهابط في الرواية يتداخل بتقنيات الاستباق والاسترجاع التي تكسر تتابعه ليغدو زمنا متعدد الأبعاد حيث يتداخل فيه الحاضر بالماضي ، والمعيش بالمتذكر في اللحظة نفسها . وهذا اللعب بالزمن يسرع وتيرة السرد ويحرره من رتابته ،  ويحفّز المتلقي على الانتباه عند الانتقال من مسافة سردية إلى أخرى ومن نسق زمني إلى آخر .

" يكفي تذكر شعر شوقي الذي دعا فيه الكل للقيام للمعلم ، ليوفيه الناس التبجيلا ..ذاك الذي كاد أن يكون رسولا ..." ص : 43

زمن الرواية زمن درامي يخفي في طياته أشكالا متعددة من الصراع في الداخل ( الباطن ) والخارج ( المحيط / الواقع ) تنعكس على بطل الرواية عبر مواجهته لنفسه وشروط حياته الجديدة القاسية في مجتمع وبين أناس وواقع يجهل عنه كل شيء ، مما جعل البطل " أمين " يتبنى قيم الخير ، صارت هذه القيم العجائبي الذي لن تموت أبدا ، وإن مات البطل " أمين في الرواية ...

" وبعد أيام ، حضر والده إلى الدوار لأخذ بعض وثائقه الإدارية ، وجمع بعض أغراضه من قسمه ، ومن المنزل الذي كان يسكنه . عندما فتح الباب الخشبي الكبير ، إذا به يرى ما لم يره المرحوم أمين منذ أن حل بهذا المكان ..." ص : 173

نلاحظ في رواية " ملاذ الوهم والتيه " أن الأنساق الزمانية تتداخل أحيانا في هذه الوحدة السردية أو تلك إلى الحد الذي يصعب فيه الفصل ما بينها . غايتنا مقاربة أشكال اشتغال الرواية على الزمن وتقنياته ، ومعرفة المستوى الفني الذي بلغته في هذا المجال . لقد حقّقت الرواية إنجازا مهما في اشتغالها على الزمن ، وفي توظيفه فنيا ودلاليا ، بما يعزز

تجربة " عبدالكريم عباسي " ويدفع بمغامرته الإبداعية إلى أوسع مدى. ونلاحظ في روايات أخرى أن نسق الزمن المتقطّع يكاد يهيمن على مجمل التجارب الإبداعية الجديدة التي تتوخى التجريب وكسر المألوف ، فيما يتراجع نسق الزمن الصاعد الذي لازم الرواية التقليدية على وجه الخصوص ، وما يزال النسق الزمني الهابط يحافظ على موقعه بين هذين النمطين بوصفه تقنية للتشويق ، وعنصراً بنائيا في الحبكة الروائية القائمة على الحكاية ...

" بعد يومين من غياب سكان الدوار ، وفي ليلة مظلمة حالكة ، تصعب فيها الرؤية الليلية في البادية ، وتتشابك فيها الأغصان مع بعضها ، والأشجار والأحجار تلخبط السير في المسارب ، فيصعب التنقل من مكان إلى آخر ، استغل إمام الدوار غياب والدي فاطمة تبيضاويت اللذين ذهبا لزيارة الولي الصالح . جاء خلسة يتسلل بين الأشجار . تسلق شجرة

تعانق جدار المنزل ، فصعد عبر جذعها وأغصانها إلى سطح منزل فاطمة المنغمسة في نومها وأحلامها العميقة ..." ص : 93

تنفتح السردية الموقوتة في رواية " ملاذ الوهم والتيه " على التشظى وتمنح الرواية

سعة مشوقة . وهذه الخلية ( السردية الموقوتة ) تواصل وتتكرر بين الحين والآخر في صفحات الرواية ، " كأن لها وظيفة الأنعكاس الشرطي وفق نظرية بافلوف "  .

ونختم هذا المحور بسرد وجهات نظر حول زمن الرواية ، فهناك من يرى أنه هو زمن

الحدث ، يذهب آخر الى انه زمن الكتابة ، وثالث يراه زمن القراءة ، ورابع يقول ان زمن الرواية ، وهناك من يقر با لأزمنة الثلاث في الرواية  وهي : " زمن الحدث ، وزمن الكتابة ، وزمن القراءة . لكن " آدم مندلاو " في بحثه «نظرية الزمن في الرواية» وأنماطها المختلفة وعلاقته باللغة ، يرى ان مشاهير الروائيين كانوا دائما منشغلين بالزمن في قيمه وأنواعه " ( 7 ) .

يقول الناقد  حميد ركاطة : " رواية ملاذ الوهم والتيه ، للروائي المغربي الأستاذ عبد الكريم عباسي ، قدمت فصولا مثيرة عن حياة معلم بالبادية المغربية ، ومعاناته ، وصموده ، وعن آماله ،  وصراعه المرير سواء داخل القرية ، أو مع الطبيعة وقسوتها ، ليكشف عن تخاذل منظومة تعليمية بأكملها ، وعن هشاشتها وعن بنياتها المهزوزة. وما تمارسه من اقصاء ممنهج في حق رجال التعليم ، الذين يتعرضون لشتى أنواع التنكيل والقهر والدونية. لقد تجلت صورة المعلم واضحة ، كما أنها اتخذت أوجها متعددة بين معلم متمرد على قوانين الدوار، ( نجيب الذي كان يصنع الماحيا ) إلى معلم تمكن من التعايش بعد فصول صراع مرير ( البطل) ، إلى معلم تنتهك حرماته بعدما صار محط أطماع الغرباء كما حدث للمعلمة التي هتك عرضها. وهو هتك له أكثر من دلاله على غياب التقدير الاجتماعي ، والحضوة ، والهيبة. فالمعلم برز كطريدة يحاول الجميع اصطيادها : ما قامت به بنات

الدوار ، وكذلك العم ابراهيم ، كما أنه غير ذي قيمة اجتماعية ، كما تقدم الصور الأولى لحضور المعلم للقرية ويقابل طلبه للسكن داخل الدوار بالرفض من طرف القرية ، والحرب الشرسة التي خاضها معه إمام الدوار ، والطرد الذي تعرض له أصدقاؤه في الفرعية المجاورة التي حل بها ضيفا عليهم. وتضامن السكان مع المرأة العجوز صاحبة الديك.كما قدمت الرواية إلى جانب الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها رجال التعليم كذلك من طرف رؤسائهم المباشرين الذين تخفي تصرفاتهم وتضمر كل أساليب الاستغلال البشعة (صورتي المدير والمفتش) كذلك.لقد فتحت الرواية أكثر من مسار لمناقشة العقلية البدوية ، وعاداتها وتقاليدها ، من خلال حفر سيكولوجي ، وسوسيولوجي ، كعينة صغيرة داخل قرية لتقديم صورة عن واقع عام عن وطن بأكمله. سواء في تراتبية سلطاته ، أو علاقاته ، وقضاياه الأكثر الحاحا ، ومصيرية. لتبقى رواية ملاذ الوهم والتيه، إضافة نوعية للخزانة المغربية بسدها لنقص في نقل واقع الكتابة روائيا عن البادية المغربية ... " ( 8 )


سابعا : مجالات الوعي الممكن في رواية " ملاذ الوهم والتيه " .


أما عن الوعي الممكن المطلوب ومجالاته في الرواية ، فيمكن أن نقول إن الوعي المتواجد في هذه رواية " ملاذ الوهم والتيه "  فهو نوعان : وعي ممكن  بالذات  في الزمان والمكان ، ووعي ممكن بالآخر كذلك في الزمان والمكان .

1 - الوعي الممكن بالذات في الزمان والمكان  :

يشمل الوعي الممكن بالذات في اختلاف الزمان : ماضيا ، وحاضرا ، ومستقبلا . والوعي الممكن بها في اختلاف المكان سواء محليا أو وطنيا أو عربيا ...

فالوعي الممكن بالذات ماضيا : أي معرفة من نحن ، وكيف وأين نشأنا ، وما مسيرتنا ومسارنا ، وهل لنا تاريخ نتصل به ونستفيد منه للنطلق نحو المستقبل ، أم إننا نبدأ من نقطة الصفر ، . وكيف يكون ماضينا زادا ينير الدرب ويقوم الخطوات لمستقبل مشرق ...

أما الوعي اللمكن بالذات حاضرًا : أي معرفة واقعنا الذي نحياه بكل تجلياته وقضاياه في مختلف المجالات ، بدقة ، فندركه كما هو ، دون تجميل أو تقبيح ، ودون تهويل أو تحقير. وإضافة للوعي الممكن بما يفرضه علينا واقعنا من قضايا واهتمامات وأولويات ، حتى نحسن التعاطي معه ، ولا ننفصل عنه ونرتمي في حضن التغريب ...

أما الوعي الممكن بالذات مستقبلا : أي بالآمال المرتجاة ، والرؤية الصادقة التي لا تخيب وبالفرص المتوقَّعة ، وبكيفية التعامل معها من خلال الإمكانات المتوافرة ، حتى نجمع بين المثالية والواقعية في وسطية واتزان ، ولانزيغ عن طريق الخير ...

" التحق أمين بالمنزل الجديد - القديم . يتخيل إليه كأنه فأر يتنقل من جحر إلى آخر ، حاملا أمتعته وأغراضه أينما حل وارتحل ، باحثا عن الراحة والاطمئنان والاستقرار والأمان ، في وقت هو جدير بمن يفكر فيه ، ويوفر له ما يزمه من ظروف الراحة وشروط العمل ، وألا يصب هو تفكيره وانشغاله إلا في مهنته ومهمته كتربوي يؤدي رسالته النبيلة ..." ص 52

وأما الوعي الممكن بالذات في اختلاف المكان في الرواية ، فصار إنطلاقتها ومفتاحها وبؤرتها ...

تقول الناقدة  " حليمة وازيدي " في دراستها للرواية : " ... لأن جل أحداث النص وجل الأفعال التي يقوم بها الممثلون ترتبط به، فهو سيعمل على إدماج فضاءات أخرى ستنمو حولها أحداث النص. كالمدرسة والبيت...يحيل هذا الفضاء على القهر والظلم والإلغاء، تجسدها المعاناة التي يتكبدها كل راغب في الوصول إلى هذا الدوار الذي يوجد في أعماق الجبال ...

فبالرغم من أن الفضاء المكاني الجبل يعد جزء من الطبيعة وفضاء مفتوحا ومنفتحا على العالم واتساعه، ويوهم بالحرية، إلا أنه بالنسبة لأمين وباقي شخصيات النص فضاء يمثل سجنا، ويرمز إلى القوة والشدة والصمت القاتل، نظرا لصعوبة التنقل وغياب البنيات التحتية كالطرق مثلا لتسهيل عملية التنقل.

فالفضاء المكاني الدوار يعد فضاء بؤريا، فهو يدمج مجموعة فضاءات أخرى كالفضاء المكاني المدرسة.

ـ الفضاء المكاني المدرسة: يعمل الكاتب على تعرية واقع المدرسة المغربية شكلا ومضمونا "نصف كرسي"، "مكتب لم يبق منه إلا الاسم" و "مستوايات متعددة في قسم واحد مشترك" فإذا كانت المدرسة فضاء للتثقيف ونشر الوعي والتفتح على عوالم مجهولة، فإنها في هذا النص لا تحمل مواصفات المدرسة، بل مكان يجتمع فيه تلاميذ يذل مظهرهم الخارجي على مدى بؤسهم ومعاناتهم ... : ( 9 )

رواية عبدالكريم عباسي من الروايات العربية التي أخذت بسحر التخييل والسرد المغلف بغلاف الذاتية .


3 - الوعي الممكن بالآخر في  الزمان والمكان في الرواية :


بجانب الوعي المكن بالذات ، هناك الوعي الممكن  بالآخر ، ولا تستقيم معرفة الذات

حتى نعرف الآخر . فيجب أن نعرف كيف يفكر الآخر ، وما نقاط قوته وضعفه ، وما عوامل التلاقي والحوار التي تجمعنا به ، وأسباب الاختلاف والنزاع التي تفرقنا. ( وهل "الآخر"كتلة مصمتة لا مفر من الصدام معه ، أم هناك "آخر" يمكن الحوار والتفاهم معه على أرضيه مشتركة ، و" آخر" غير ممكن معه ذلك ) . والوعي اللمكن بالآخر تصدر وهيمن على الكثير الملفوظات والمقاطع السرية في الرواية .

" بدأ خالي ابراهيم يكسر اللوز ويمد أمين به ليأكله بدل وضعه في بلغته أو كيسه كالمعتاد ..انهال عليه بجملة من الأسئلة المتتالية المحرجة . يصبها عليه كطلقات نارية . أحيانا تبدو هادفة لحبه للمعرفة ، وأحيانا أخرى تشبه أسئلة بوليسية ..." ص 113

الوعي الممكن بالآخر مرتبط بالمكان في الرواية كمحطة أساسية في رواية " ملاذ الوهم والتيه " ، لما له من دلالات وإسقاطات وإيحاءات منها المباشر والغير المباشر في تشكل هذا الوعي الممكن في الرواية . فالمكان ذاكرة جمعية كاشفة عن مكونات الصراع بين ثقافتين متغايرتين ، فالوضع الذي وجد في أمين البطل نفسه شبيه بوضع الذي وجد فيه بطل " موسم الهجرة إلى الشمال " . يرتبط الوعي الممكن بالآخر ارتباطا وثيقا بالمكان وسيعطى لهما الدور الكويني الأساسي في الرواية . يقول موسى ربابعة : " ...فالمكان بغض النظر من ماهيته وكينونته وتمظهراته لا يستند على الجغرافيا فقط ، وإنما يغدو جزءا مهما من نسيج البناء الروائي ..." ( 10 )

" أما أنا يا سيادة الإمام ، فسأتسبب لك في السجن إن شاء الله . إذا لم تبتعد عن طريقي ، وتحترم حرمة النساء في هذا الدوار الذي احتضنك وأمنك وأطعمك ، وأفاض احترامه وتقديره وثقته بك وتطعن رجاله من الخلف بكل وقاحة ! . أخبرك أنني على علم بكل

جرائمك ، بل كل الناس يعلمون ذلك ، ويتحينون فرصة وقوعك في الفخ ..! " ص : 84


4 - الوعي الممكن بالجماعة في رواية " ملاذ الوهم والتيه " :


إن الوعي الممكن يزيد وينقص ، وليس أمرا ثابتا في الرواية .. فقد يتوافر هذا الوعي عند المؤلف في بعض المواقف ، وقد ينحسر في وحدة سردية أخرى . وقد يتوافر الوعي الممكن في الرواية بقضية دون قضية أخرى . وهذا التكنيك سلكه المؤلف ليرفع درجة الوعي بقراءة التجربة من خلال التحلي باليقظة والتأمل والنبش الذي يولد التشويق والمتعة بالمقروء .

إن الوعي الممكن الجماعي في الرواية بلغ من التعقيد والتشابك اختلط فيه العرف بالتقاليد والعادات والدين ....

" في أحد الأيام قرر أمين أن يذهب لأداء صلاة الجمعة التي تقام في المسجد الصغير

الوحيد بالدوار . مسجد يؤدي عدة أدوار اجتماعية ودينية وسياسية أحيانا ، إلى جانب الشعائر الدينية ، يعقد فيه رجال " الجماعة " كل اجتماعاتهم ولقاءاتهم للمذاكرة في كل القضايا التي تهم الدوار ، وفيه تقام الولائم أحيانا كلما تعلق الأمر باجتماع مطول أو مصيري خصوصا وقت الانتخابات ، أو حلول شخصية مهمة ، أو مسؤول من الدولة . حاول أمين أن يتصالح مع ذاته ويقنع نفسه ويخرج من انعزاليته ، ويتغلب على سخطه عن الظروف الصعبة التي وجد نفسه حبيسها ومكرها على التكيف معها ..." ص 53

تتعرض الرواية لحالات كثيرة في تجويف الوعي عند الناس ( سكان الدوار ) ، أي تجريف الوعي عند أعداد وشرائح لا يستهان بها داخل المجموعة والجماعة ، بحيث أصبحت رؤيتها مشوشة بالفهم الخاطئ للدين وطريقة إدراكها لذاتها ، وقيمها ، والعالم من حولها ، طريقة غير سوية. الأمر الذي استدعى من أمين  مضاعفة الجهد لنشر نور العلم وتصحيح مسار الجماعة . كما أن أمين جعل من الوعي الممكن قضية أعطاها أهمية كبيرة ، وجعلها قضية حياة أو موت ، وجود أو فناء ، فاعلية أو خمول وتخلف .

" لقد أحدثت فكرة انتقاله رجة كبيرة وسط الساكنة . فلم يعد حديث الجميع إلا عن المستجد الذي نزل عليهم كالصاعقة . لأنهم يعلمون أن المدرسة ستشل بدونه ، ويخافون أن تتكرر قصتهم كالتي حدثت مع الأستاذ سي جمال بائع " الماحيا " والتي لم ينسوها إلا بعسر الأنفس . وبحسن سي الفقيه أمين الذي قلب الأمور إلى الأفضل ... " ص : 132

إن زاوية الرؤية وتصور الذات وعلاقتها بالآخر ، تضع الفرد أمام ضرورة البحث عن ذاته في الواقع المعيش ، الذي يتيح عادة إمكانيات التفاعل والتبادل والاندماج والتواصل والتثاقف ... للقد مالت الرواية الاعتقاد الذي يرتبط الإنسان و يميل إليه ، هذا الاعتقاد  الذي تتحقق فيه ذات الجماعة .

كما أن تحقيق الذات الجماعة هو وعي ممكن يحققه الفرد في إطار هذه  الجماعة وفي ظل الظروف التي يعيشها ، هذا الوعي الذي يمكنه  من معرفة المحيط  المكاني وتحديد مكانته ودوره  الفاعل فيه أو يعمل على منحه واكتسابه دورا ومكانة للتفعيل والتفاعل ، وبذلك يتحقق لديه وعي أو جزء من وعي الانتماء إلى الجماعة  ، وهنا يصبح يمتلك وعيا أو جزءا من وعي لذاته .

" ألقى أمين درسه بكل ثقة في النفس رغم أنها أول تجربة على المنبر . شدت خطبته انتباه الكل ، وشرح مصائب الشعودة ..وتوغل في موضوعها ..وبسطه للناس وبين كيف أنها تنخر جسد المجتمع وتشتت الأسر ، وتسير في دروبها النساء والفتيات اللواتي هن نصف المجتمع . فكيف يصلح هذا المجتمع إذا ضاع نصفه ونال منه الشيطان ؟ ..." ص : 85

البطل أمين لم يرفض الواقع الذي أصبح ملما به ، بل مارس دوره اجتماعياً وثقافياً وتربويا ،  ولذلك أصبح وعيه لذاته وللواقع المجتمعي مقبولا ، فأمين لم يغادر الجماعة جسدياً أو فكرياً أو نفسيا .... فأصبح البطل منتسباً عضوياً وفكرياً وثقافيا ، كما أن أبدى استعداده  الكامل للقيام بدوره الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين.

" أصبح الدوار شبه خال تماما ، لم يبق فيه سوى أمين ، وبعض الشبان الذين أوكلت لهم مهمة المداومة على مراقبة المساكن وحراستها ليل نهار ، بالإضافة إلى فقيه المسجد ، وبعض العجزة والمرضى ، وفاطمة تبيضاويت المتمردة على على تقاليد الدوار . حتى تلامذة المدرسة غادروا صحبة آبائهم ، وأصبح أمين في عطلة استثنائية إلى أن يعودوا من رحلتهم السنوية من " سيدي بوحاجة " ..." ص 92 و 93


ثامنا : خاتمة :


لعبت  الثقافة في رواية ملاذ الوهم التيه " دورا أساسا وأسهمت بفعالية في أعمال التغيير الاجتماعي في بادية نائية  ، إلى جانب بلورة الوعي في مستوى الممكن والمقبول ، والمقصود بالثقافي في الرواية  تلك المشتركات المركبة من الاجتماعي والديني والسياسي...، والمعبر عنها في الطقوس والعادات والتقاليد والأعراف وفي الممارسات والسلوك في دورة الحياة اليومية للأفراد والجماعات داخل الحيز المكاني في الرواية ( الدوار ومحيطه ) . ومن المتعارف عليه أن هذا النوع من الثقافة يمارس عادة  في الاجتماعي والديني والسياسي في إطار الوحدة الاجتماعية الضيقة. مثل القبيلة أو العشيرة أو الدوار ، حيث تتوزع فيها الوظائف والأدوار وفقاً لقاعدة  ( أمغار ) الأبوية .

أما أمين بطل الرواية فكان يمارس الثقافي بشكله الواسع ، في عمله وفي  التعارف والتثاقف والتفاكر والتماهي والحوار والاندماج وأداء الواجبات وقبول الحقوق في موازاة الممارسات الطقوسية والعبادية.


المصادر والمراجع :


1 – الموسوعة الذرائعية /

أ - النظرية الذرائعية في التطبيق على النصوص العربية / عبد الرزاق عودة الغالبي / عبير يحيي الخالدي

ب - الذرائعية اللغوية بين المفهوم اللساني والنقدي / عبد الرزاق عودة الغالبي  /

ج - دور الذرائعية في سيادة الأجناس الأدبية / عبد الرزاق عودة الغالبي

2 – رواية " ملاذ الوهم والتيه " / المؤلف عبدالكريم عباسي / منشورات مطابع الرباط نت / الطبعة الأولى 2016

3 – الدكتور أحمد أباش / مقتطف من التقديم لرواية " ملاذ الوهم والتيه "

4 – مصطلحات فكرية / سامي خشبة / الصفحة 253 و 255

5 – دراسة نقدية / التمظهرات الروائية الجديدة في رواية " ملاذ الوهم والتيه " / الناقد حميد ركاطة

6 – انظر مقدمة كتاب الشيخ الغزالي / كنوز من السنة / الصفحة 7

7 – مرسيا إلياد / الحنين إلى الأصول / ترجمة حسن قيسي / دار قابس للطباعة والنشر / الطبعة الأولى / الصفحة 39

8 – المرجع 5 نفسه .

9 – دراسة نقدية لقرواية " ملاذ الوهم والتيه / الكينونة المغتالة في " ملاذ الوهم والتيه " / الناقدة حليمة وازيدي

10 - د . موسى ربابعة / آليات التأويل السيميائي / مكتبة آفاق ، الكويت / الطبعة الأولى / الصفحة 175



بوسهال

 سيء الحظ..

سيء الحظ...أنا...!!

هوى نجمي وما دنا..

شريد الخطى...أنا...

هـم طيشي بك وزنا..

رديء الحال.. أنا...

ما هدأ بالي وما هنا..

......................

جسر...أنا...!!

صــدري عــار  للـعـبـور..

بئر...أنا...

ليـوسف واق مــن  شرور..

بحر...أنا...

في أعماقي أعراس وقبـور..

مطر...أنا...

متردد بين غياب وحضور..

حجر...أنا...

قصير الـظل لبنات قصـور.. 

..................................

سيء الحظ...!!

في عيوني تنطفيء شمس المساء..

كسير الحلم..

بين ضلـوعي تنـفجر بؤر الشقـاء..

شقي المسار..

أذلني النفي من وطني والإقصاء..

غريب الأطوار..

أرقني الشوق ولا حضن للإحتماء..

سيء الحظ أنا .....سيء الحظ أنا....



    همون بوسهال..نونبر 2021

الصوفي الصافي بصمات نقدية

دراسة  نقدية ذرائعية مستقطعة لمسرحية " ماوراء الوراء " لمؤلفها " مجدالدين سعودي " 

عنوان الدراسة : الواقعية المتمردة في : " ما وراء الوراء "* / الجزء الأول 



======      مقدمة ================

الدراما هي نوع أدبي أدبي مؤثر جدا ، يسمح بتداخلات متعددة في التعبير ، فيتقاسم حوارها الأدبي أكثر من شخصية ، كل حواراتهم يربطها ويجمعها موضوع واحد . يقدم فيها " المونولوج " للممثل أو المتلقي الواحد تعبيرا عن المواقف الحساسة والداخلية والنفسية المضطربة ، مثل مونولوج ( أكائن أنا أم غير كائن ؟ ) من مسرحية " هملت " ل " شيكسبير " . وهي مواقف أدبية لا يصلح للتعبير عن التضاد النفسي الداخلي فيها إلا للمونولوج . وجلي أتتبع وتخضع اللغة المختارة لطبيعة المشهد أو الموقف ، كما يستحسن أن تصبح اللغة للشخصيات والانفعالات . تتطور الأحداث في الدراما من الواقع ويتضح ذلك من حوار الشخصيات ، فتعرض الحي والواقع والحدث والتصرفات ، وأمام حضور جماهيري ، ومن خلال الأحداث يعرض الموضوع طاجزا . يعتقد البعض بعدم وجود درامات تكتب للكتابة ( درامات توفيق الحكيم - درامات عبدالله القويري ...) ، فالداما سواء مثلت أم لم تمثل فهي تتضمن داخلها عناصر الأدب الدرامي أو العرض المسرحي ، ويتضح ذلك في شكلها المونولوجي والديالوجي والمنظري والحدثي .
الدراما هي أقدر على إبراز المضمون الدرامي للأدب بطريقة مكثفة ، ويضم التركيب الأدبي للدراما ( مقدمة الصراع ) ، أي الكلمة الافتتاحية أو البرولوج ، ثم العرض العام أو ما يطلق عليه ( مدخل المسرحية ) ، أو الفصل الأول وفيه تقدم الشروحات والإبانات ، ثم صلب المشكلة أو العقدة ( الفصل الثاني في بعض الأحيان ) ، وفيه تتجسد التضادات وصولا إلى الذروة ، ثم تنتهي الدراما بالحل في الفصل الثالث ( في الجزء الأخير منه )  . ويختلف الأمر في المسرحيات ذات الخمسة فصول . الفكرة في الدراما تمر بمراحل هامة متصارعة مع القواعد الأدبية والفنية من خلال علاقات داخلية نظريا وتطبيقيا محافظ على تتباع المشاهد من خلال قضايا التسلسل الدرامي مع التضاد المفاجئ ، أي الإبقاء على محددات درجات الاضطراب والاحتفاظ بالصراعات ساخنة .
يقول عبدالرزاق عودة الغالبي : " تعرف المسرحية بأنها : نص قصصي حواري ، يصاحبه مناظر ومؤثرات فنية مختلفة . ويراعى في المسرحية جانبان : جانب النص المكتوب ، وجانب التمثيل الذي ينقل النص إلى المشاهدين حيا ، وتتفق المسرحية مع القصة في بعض الجوانب وتختلف عنها في جوانب أخرى ، فالمسرح فن خالص لا يقنع بغير الإيحاء ...ومن هنا كانت الكتابة للمسرح عملية خلق لا عملية تعبير ...فالتعبير نقل لما هو موجود بالفعل ، أما الخلق فعملية تحويل ما هو موجود إلى كائن جديد ، أما العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة تتمثل في : الحدث ، والشخوص ، والفكرة ، والزمان ، والمكان ، في حين أن العناصر المميزة للمسرحية تنحصر في البناء ، والحوار ، والصراع ، وأدوات العرض المرئي ...." ( 1 ) 

سنخصص لدراسة عتبات العنوان ( ماوراء الوراء ) دراسة نقدية ذرائعية خاصة إن شاء الله ، أما في دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة هذه  فسنغوص في نص مسرحية " ما وراء الوراء " ( من كتاب " ما وراء الوراء " الذي يضم بين دفتين نصوص مسرحيات أخرى ) من خلال المفاتيح النقدية التالية " 

     √√√√√√    الفكرة 
      √√√√√√  الشخصية المونودرامية 
      √√√√√√  الواقعية المتمردة 
      √√√√√√  تجاوز المسرحية لكتابة التكريس والخطاب النفعي 

ملحوظة : قدمت مسرحية ( ما وراء الوراء ) على خشبة المسرح بعنوان ( العوامة ) .

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

1 - المدخل البصري لكتاب نصوص مسرحية " ما وراء الوراء " لمجدالدين سعودي .

كتاب النصوص المسرحية متوسط الحجم ، تحتوي مابين غلافيه مائة وسبع وعشرون صفحة ، افتتح بإهداء جاء فيه : " إلى الصامتين والسائرين في دروب الإبداع بقوة ...
إلى المهمشين في أوطان الثراء الفاحش ...
إلى النائمين في الشوارع ...
إلى البسطاء الذين يعيشون الفقر والقهر ...
إلى الحالمين بغد أفضل ...
أهدي نصوص المسرحية المعنونة ب ( ما وراء الوراء ) ..." 
يضم الباب الأول مسرحيتين : 
- مسرحية : " ما وراء الوراء " من الصفحة 6 إلى الصفحة 36
- مسرحية : " الخيول البابلية " من الصفحة 37 إلى الصفحة 52  
ويضم الفصل الثاني :
- مسرحية : " احتضار سيزيف " من الصفحة 53 إلى الصفحة 91
- مسرحية : " لعبة الحياة "  من الصفحة 92 إلى الصفحة 127

دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة هذه ، سنغوص من خلالها في مسرحية " ما وراء الوراء " من الصفحة 6 إلى الصفحة 36 ، النص مسرحي مونودرامي .

ملحوظة : لمسنا تمردا على التجنيس في الكتابة المسرحية عند الأديب مجدالدين سعودي وكذلك نمط كتابة الدراما كما حددناها في المقدمة .

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

2 -  الوجه الآخر للكاتب / الوجه المسرحي ( سيرة ذاتية ) :

(   أضف أخي سيرتك الذاتية المسرحية )  أنت حر  سواء كانت مختصرة أو مطولة / تحياتي 

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

3 - الفكرة  / الشخصية / الواقعية المتمردة / تجاوز الخطاب النفعي / نموذج مسرحية " ما وراء الوراء " .

√√√√√ الفكرة : 

إن الفكرة في الدراما هي ما تحيط بها ألف فكرة وفكرة ، سواء على المستوى الداخلي وكذلك الخارجي ، عادية وغير عادية ، مقبولة أو من الصعب  وقبولة إلى غير ذلك من المتناقضات التي تجبر الكاتب وتجعله يقف محتارا ومتسائلا حول (درامته )  والاتجاه الذي يسلكه وكيف يحقق فكرة  ( درامته ) . هناك مشاكل تطرح خاصة في الفصل الثالث حيرت كبار كتاب الدراما ، لأنه الفصل الذي يتجسد فيه كل شيء ، ولما تتضمنه النهاية كذلك والحيرة في اختيارها ، فهل ستكون كوميدية أو تراجيدية ، أو مفتوحة أمام الجمهور و المتلقي تفهمها كما تريد ، كما أن هذا الفصل تتحول فيه الكوميديا إلى تراجيديا ، والأحداث المتأزمة إلى حلول سريعة ومفاجئة . 
إن الفكرة التي يرغب الكاتب " مجدالدين سعودي " في مسرحيته " ما وراء الوراء " انبثقت بطريقة احترافية ، خرجت من الحقيقة الخام في فكرة بكر  ، وقد تكون عاشت معه في الشعور واللاشعور ، هي فكرة اللقطة التي لا تتجاوز الثواني ، لكنها تجر آلاف ابأفكار وتعود بالزمن من جديد . يقول " عبدالكريم برشيد " : " إن الخطاب المسرحي يملك دائما حق تجديد أدواته وتقنياته وذلك استجابة لتغيير البيئات المكانية والزمانية ، واختلاف طبيعة وذهنية أقطاب الخطاب ، وبهذا وجب أن نعيد النظر ليس في المسرح كمسرح ، ولكن في الصيغة التي تسربت إلينا من الغرب ، وهي صيغة لا تخرج عن كونها مجرد اجتهاد فقط ، وهو اجتهاد مرتبط - ليس بنا نخن - ولكن بالآخرين ، وذلك باعتبار أن أهم الثقافات وذهنيات تنتمي لبيئات مكانية وزمانية مغايرة ، ومن هنا وجب أن توضع هذه الصيغة الغربية موضع الشك والتساؤل ...." ( 2 ) 

لنتأمل منطلق فكرة مسرحية "  ما وراء الوراء "( 3)  وبعدها نغوص في التحليل .

قطع الديكور والإكسيسوارات : ( -  لوحة كبيرة للقمر باللون البني  - عوامة عبارة عن مركب صغير يركب فيه البطل حسب تسلسل الإحداث - مشنقة كبيرة تغطي مساحة كبيرة في الخشبة - عصا - عصابة سوداء - ملابس وكتب وجرائد ممزقة - قناع مخيف - مجهر وهمي بحجم كبير - عكازة ) ( ما وراء الوراء ) الصفحة 7 .

نتأمل منطلق الشخصية البطل في مسرحية " ما وراء الوراء " وبعدها نستعد للغوص .

( في بداية المسرحية يكون الممثل مسترخيا ، ثم يبدأ في السير في كل أنحاء الخشبة سيرا بطيئا ، تبدو عليه إمارات الحزن والتعب ، خطواته ثقيلة ، بين الفينة والأخرى يضع يديه على رأسه دلالة على وجود الألم ، يفرك عينيه ليتأكد من وجود النور ، بعد عملية السير المرهقة يجلس داخل العوامة .... ) ( ما وراء الوراء ) الصفحة8.

√√√√√√√  - الإكسيسوارات : 

المسرح جزء من الحياة ، وقطعة من الواقع ، لهذا كان طبيعيا أن نجد كل الاكسيسوارات لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بحياة الإنسان ، نتائجه ( الاكسيسوارات )  مهمة في المرئيات التي تحمل في طياتها الصورة المسرحية وصدقها ، وهو يسير والفكرة في النهاية بفكرة المسرحية سواء في الثبات أو التحول  إلى القبول والاستحسان .

√ - الفكرة :

الحدث في مسرحية " ما وراء الوراء " بدأ صامتا ، أي بدون حوار ، بحركات اليدين والرجلين ، والشعور بالحزن والألم ، واستخدام للشخصية حواس أخرى ، فهذا الحدث الصامت بدون الكلمة أو النص المسرحي ، نجده في كل مكان وفي كل حياة ، لأن كل إنسان ممثل في الحياة وهي المسرح الكبير ، يقول " كارل جروس " في كتابه " ألعاب الشعوب " : " ...لعب الحيوانات كالكلاب والقطط ، بالحجارة والأخشاب ...يمكننا أن نسميه حدثا ، أي الصيد والاصطياد ...نشاط حدثي ملموس كما لو كان مسرحية صامتة التعبير ...." ( 4 )
الفكرة تسير في خط المضمون الدرامي السياسي في الوطن العربي مثل ( كفاح شعب - مسمار جحا - شندواي الحمراء وغيرها ) . تتضمن الفكرة مضمونا سياسيا دراميا تؤثر وتتأثر بالمضمونين الاجتماعي والثقافي .
للأدب الدرامي عموما في الوطن العربي ارتباط كبير بالأرض وما يجري عليها من أحداث وعواصف وكفاح وصراع ، تدفع به إلى الأمام وهو مرتكز على أرض الواقع بأحداثها الكبيرة والصغيرة ، و هو ما يؤدي إلى صدق الفن وشفافية التعبير . والسؤال الذي يطرح نفسه علينا : ما هو وزن واقع الدراما العربية ؟
إن قلة انتشار المسارح حجب عن الجمهور ومتذوقي الثقافة المسرحية ، مما أدى إلى إحباط قوى المحاولات الأدبية التي قد تضيف جديدا للأدب الدرامي العربي ، باستثناء انفلات محاولات " الطيب الصديقي " و " الفريد فرج " ، فهما كافحا في وضع تصورات العودة إلى الأصل بحثا عن الأصالة عن طريق أدب درامي عربي .
تقول الممثلة الأردنية "  مجد القصص " في مقالتها المعنونة ب( المونودراما : مسرح الشخص الواحد ) : " فمن خصائص النص الدرامي ، الموضوع : غالبا ما تكون موضوعات المونودراما مؤساوية الطابع ، ناتجة عن تجربة ذاتية مريرة ، هذه المأساوية هي ما يفتح الأسئلة المصيرية الكونية والوجودية . الزمن : يكون الزمن في المونودراما ملحمي البعد ، بمعنى أن يكون متععد المستويات ، ولكن يكون الزمن الحاضر النصيب الأكبر ، ويمكن أن تختلط المستويات دون تسلسل منطقي . المكان : المكان أيضا متعدد المستويات في المونودراما ، حيث تستحضر الشخصية الوحيدة ملامح الأمكنة خلال عملية التداعيات الفكرية . اللغة : تميل اللغة في النص المونودرامي إلى السرد ...." ( 5  )

تتضمن الفكر في مسرحية " ما وراء الوراء " ( برولوغ ) و اثنى عشر موقفا : 
1 - فجر 
2 - فجر الفجر 
3 - ضحك 
4 - حراسة 
5 - الشهادة والولادة 
6 - هيجان 
7 - البيان الأول 
8 - ثورة 
9 - استجواب 
10 - عبث 
11 - حلم 
12 - الرسالة 

قبيل ستار النهاية ( ستار النهاية ) الصفخة 35 / ( اليوم أكملت الرسالة ، ورضيت لكم طريقي نبراسا ، اليوم انتهت حياتي ، فلتبتدئ حياتكم ...فلتبتدئ ....فلتبتدئ ....فلتبتدئ ....) 

√√√√√√  - الشخصية ( البطل الدرامي / المينودراما   ) في مسرحية " ما وراء الوراء " :

منذ بداية تاريخ المسرح والإنسان متجسد فيه ( الشخصية المسرحية ) المرتبطة بأحداث المسرحية . تصبح الشخصية مثيرة إذا كانت ذات طبيعة خاصة أو أو غريبة في أحد أشكال الحياة ، أو هي أحد النماذج في المجتمع  ، فهي ( الشخصية ) حاملة لفكر الكاتب الدرامي ، تنوب عنه وعن لسانه . يقول " الدكتور كمال عيد " : " ...البطل الدرامي العصري في حياتنا هذه لا بد وأن تلمس شخصيته عناصر الحرب ، حتى لو كانت حربا ضد تصرفات مجتمع أو سلوك أفراد ...كما أن النشاط الدرامي هو أحد عناصر شخصية البطل الدرامي أيضا ..".(6  ) 
الشخصة في مسرحية " ما وراء الوراء " هي شخصية مينودرامية أي " تقوم على ممثل واحد يسرد توالي الأحداث عن طريق الحوار ، هو مشهد واحد ونص مسرحي واحد للمثل واحد ، وهو المسؤول عن إيصال رسالة المسرحية ودلالاتها جنبا إلى جنب ..." ( 7 ) 

سنقتطف من حوار المواقف ما يقربنا من شخصية البطل ، والذي سوف لن يتعرف الجمهور  على اسمه إلا في الجمل الحوارية في  آخر الموقف الاثنى عشر ، اسمه " عبدالصبور ".

- عبدالصبور ( برولوغ ) : " هكذا أجلس لأستريح وأطلق ذاتي السجينة ( يبدأ عملية التجذيف ) تسبح ...تسبح ...تسبح ...وأطلق العنان لأفكاري لتمرح ...وتمرح ....وتمرح ....وأسرق لحظات الأفراح ...وأفراح ...وأفراح ...( صمت ) ، لكن أحس بكابوس الأعاصير يطبق علي الخناق ، وبضربات همجية تمطرق وجودي وتعيدني لزمن الولادة والشهادة ...." الصفحة 8 

- عبدالصبور في الموقف الأول : " ....أصوات مقيتة ومبهمة تمارس علي هوس الأوامر ...غياب قسري ...تغييب وإرهاب تحت راية الوطن " الصفحة 10

- عبدالصبور في الموقف الثاني : " ... هذه المرة ، قال المطقطق الجديد : ( يا بن الأفعى ، لقد فجرت القمر ؟؟؟ ...لكن أخبرني من أين أتتك القنابل والمدافع ؟ كيف حصلت على الخرائط وتصميم الشوارع والمراكز الحيوية ...لا بد أن لك خطة لتغيير إشارات المرور وأنظمة الوقوف والركوع ...تكلم يابن الأفعى يا مفجر القمر ..." الصفحة 12

- عبدالصبور في الموقف الثالث : " ...( ويغضب موجها الخطاب للمطقطقين ) : أسكروا أيتها النعاج الضالة ، لقد انتهت العوامة ، اغتالها الأعداء والأصدقاء والصدر الذي اتكأنا عليه سابقا ، اغتالها المجاهدون في سبيل السقوط والركوع ، فاشربوا أيتها الحثالة نخب السقوط ..." الصفحة 15 

- عبدالصبور في الموقف الرابع : " ....أنا الطفل الهمجي الآتي من أعماق البحر ...من عنبر الصمت المستمر ...من كابوس الحلم القاتل ...من الغوص والتمعن في بحر الديمومة ، أنا البطل الغير متوج ...." الصفحة 16 

- عبدالصبور في الموقف الخامس : " ...( صراخ ) ... ولم أشعر إلا والجحيم يطقطقني ، يكسر عظامي ، يسرق روحي ، واشتبكت الطقطقات بالقدقدات والقلقلات لأفقد الوعي لمدة طويلة ...طويلة ....( يمشي كالمعطوب ) ( بصوت منخفض ) طويلة ..." الصفحة 19

- عبدالصبور في الموقف السادس : " ...( يفتح الرسالة ويبدأ في القراءة بصوت متأني ) : الحكاية ياسادة ، حكاية الانتظار الذي تحول إلى اختصار ، حكاية الانظار ، حكاية وجود ذابلة بالاصفرار ، البارحة ، اليوم ، وغدا ، العوامة بقيت كما كانت ، الحركة فيها ماتت ، المحرك معطوب ، ومن يحركه مازال ...( يجسد عملية النوم ) ...والدوامة أخذت العوامة ...( يخبئ الرسالة في مكان آمن ) .... " الصفحة 21

- عبدالصبور في الموقف السابع : " ....يا أنا يا أنتم ، يا من يأكل الذل والبهتان ، يا من يغطى وهو حي بالأكفان ، يامن يباع ويشترى في سوق المزايدة وفي البورصة السوداء ، وسط العواصف الهوجاء ، يا أنا يا أنتم ، كم لعقتم من هم وشربتم من سم ، ونمتم في فراش من دم ....( موسيقى صامتة ) ...." الصفحة 23

- عبدالصبور في الموقف الثامن : " ...( يبحث داخل العوامة عن البيان ثم يبدأ في القراءة ) : أيها الصائمون من طلوع الشمس إلى غروبها ليفطروا بقضيتنا ، نعلم أننا لم نسقط لا زلنا سائرين متحدين الحصار ، سنخرج من ألف حصار وحصار أنبياء نعلم الناس كيف تكتب الضاد المضادة لضاد البلاغة والحشو والمواعظ ..." الصفحة 26 

- عبدالصبور في الموقف التاسع :" ...بدأت الطقطقات تطاردني ....تغازلني .....تحاصرني ..." الصفحة 27 

- عب.الصبور في الموقف العاشر : " ...نبتدئ دمى  ، نكبر دمى ، الحجر لا يقهر ، والصخر لا يقهر ، وبالحجر والصخر نكبر على بلاط الأحزان ، سنتوالد من جديد ، سنتقمص لغة جديدة ، سنقتل فينا كل شيء لنولد من جديد ، سنتقمص لغة جديدة ، سنقتل فينا كل شيء لنولد من جديد ، سنمحي العنتريات من التاريخ المعلب لئلا لا نكون مسيح الجهل فنصلب من طرف أبي جهل ....." الصفحة 29 

- عبدالصبور في الموقف الحادي عشر : " ... قال عبدالصبور : ( كنت أعرف يا رفيقي أنني سأموت اليوم أو غدا ، لأن حياتي تضايق المطقطقين والمقدقدين والمقلقلين ، وكما تعلم فالغذر هو سلاح الجبناء ..." الصفحة 31 

- عبدالصبور في الموقف الثاني عشر : " ....سأقرأ حكمتك يا عبدالصبور : ( روما العظيمة الجبارة حطمتها شعوب بدائية ....) ..اتظر يا عبدالصبور ...عبدالصبور.. (.تسمع طقطقات ...اغتيال البطل ...تسمع أناته واحتضاره ..." الصفحة 35

تعيش شخصية عبدالصبور المونودرامية نوعين من الصراع ، صراع داخلي بين عبدالصبور الإنسان وعواطفه ونفسه ، حيث تنمو حالة التداعي وتبرز حالة وحدانيته ،  وصراع صراع خارجي يتمثل في الصراع بين الإنسان وشخصية أخرى تتجسد في سلطة الحكم والزمن والقدر والوت . تقول مجد القصص :" المونودراما تحتاج إلى كاتب تشغله قضايا ذات أهمية ، يتناولها بعمق ودون تسطيح ، عبر الحدث الدرامي المتنامي ، ومن خلال عملية الكشف الكامنة في الصراع الداخلي التي تعيشه الشخصية ، التي يجب أن تملك ديناميكية على الخشبة ، شخصية غير ساكنة ، شخصية تملك لغتها المسرحية بحيويتها ..." ( 8 ) 
عبدالصبور المونودرامي يوصل رسالة المسرحية عبر ( الكلام / الإيماءة / الإشادة / حركة الجسد / الصمت / الانفعال الداخلي : الضحك / الحزن ....) . في المغرب يبرز اسم عبدالحق الزروالي ككاتب ومخرج وممثل وحيد فوق خشبة المسرح ، وأسماء عربية أخرى برعت في المونودراما .
جزء كبير من الهوية الثقافية والفكرية والسياسية ل" عبدالصبور " متواجد في قصيدة ( اتجمعوا ) كلمات الراحل ( أحمد فؤاد نجم ) ، نقتطف لكم جزءا من القصيدة : 

باسم الإله الشعب 
رب المضربين 
الصايم 
المحروم على مر السنين 
يا منشدين الحي 
حيوا حينا 
واحنا هنا 
ع العهد دايما مخلصين 
محلا القصايد
في الشدايد ...والغنا 
محلا الكلام الحب 
أوقات الشفا 
احنا اللي تهنا ع الطريق 
من بعضنا 
متفرقين 
والسجن هوا المتقي 
آه يارفقة 
من متاهات الطريق 
لما الليالي 
بيتخنق فيها الطريق 
يمشي الصديق في الضلمة ...... 

√√√√√   الواقعية المتمردة : 

يعرف التيار الأدبي الواقعي في العالم العربي توسعا منذ أسست لانطلاقته درامات " نعمان عاشور " من خلال مسرحيته ( الناس اللي تحت ) ، فكانت بداية لظهور درامات اجتماعية . تيار الواقعية تقرب كثيرا من واقع المجتمعلات العربية ، فساعد وسهام في معاجة القضايا الحيوية في الأقطار العربية . 
الواقعية في مسرحية " ما وراء الوراء " تتغدى على عناصر أدبية واقعية بكل تفاصيلها السياسية والاجتماعية والشعبية ، هذه الشعبية على وجه الخصوص والتي لم تنفصل لحظة عن شخصية " عبدالصبور " ، الشخصية البسيطة والتي أعطت للحظة عبقها الواقعي دون زيف أو زخرفة وفي كل السولوك والتصرفات . المخاطب في مسرحية " ما وراء الوراء " الطبقة الشعبية هذه الطبقة التي ظلت شبه مغيبة في الكتابات الدرامية المغربية ( كتابة التكريس لا كتابة التغيير )  هي مسرحية لإبراز ثقافة شعبية المضمون وشعبية الهدف ، المسرحية هي وسيلة توصلنا إلى غاية ، أي تحطيم النظام الطبقي ، حيث احترام الإنسان ومشاعره وقدراته وحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنه " يوجد دائما في الأدب وجهة نظر للطبقة ، والمهم هو معرفة ما نوع وجهة النظر هذه ؟ " ( 9 ) (  المرجع ( 8 ) نفسه    ) .
اثنى عشر موقفا تضمها المسرحية تحوي كل مفاهيم التمرد والمقاومة القائم بين ( نعم / النعمة ) و ( لا / التي تجلب كل أنواع السخط ، هي ( لا ) التي تعني أن " عبدالصبور " تجاوزت الأشياء عنده حدها ، وأنه لم يعد باستطاعته التحمل والاحتمال ، فهو يرفض ال(نعم ) التي تلغي كل أنواع الصراع الذي يوصل إلى الخلاص والعدل ونيل الحرية ، فحتى لو كلفه ذلك حياته  .
عبدالصبور هو رمز للكتابة البديلة والتي مهمتها تفجير كل ما هو سائد ، وبناء رؤيا جديدة في المضمون الفكري والوحي الاجتماعي والتاريخي ، وهي ولادة لجيل جديد غاضب رافض لكل الممارسات اللاديمقراطية السائدة في الواقع الاجتماعي والسياسي والفني ....فكر كتابة بديل يلغي الفئوية والنخبوية في إنتاج مسرح جاد هادف .

√√√√   تجاوز مسرحية " ما وراء الوراء " الخطاب النفعي في المسرح المغربي .

الخطاب النفعي في المسرح يتكيف مع السائد الموجود ، سكونية تعتمد على تكريس ما هو كائن ، والمحافظة على العلاقات السائدة والعقلية المهيمة ، وهي رافد من روافد الفكر المسيطر ، لكي يبقى تكريس النفعية خادما لمصالح أيديولوجية الطبقة المسيطرة ، والتي تتخد من كل الفنون وبخاصة المسرح قناة إعلامية تضمن محافظتها على السيطرة . في خطاب المسرح النفعي نقرأ ونسمع سكونية الإنسان ، أي خطاب يحجب الوعي عن كل سياسي وثقافي . يقول " عبدالرحمن بن زيدان " : " وهذا يدعو إلى اكتشاف ايديولوجية النص المتكررة في الدراما العائلية البورجوازية في مسرحية " العائلة المثقفة " و " بنت الحراز " و " الزوجة الموظفة " ، حيث التمثيل وحده يقوم بالدور الرئيسي في عملة " التواصل " بين المسرح من جهة والأصالة من جهة أخرى . بخطاب يسمم المشاهدة والمشاركة والفعل ". (10 ) ( المرجع ( 2 ) نفسه ) .
ونقتطف شواهد من حوارات المواقف الاثنى عشر  عن تجاوز مسرحية " ما وراء الوراء " الخطاب النفعي وهي كما يلي : 
- عبدالصبور : " ....قلت للكرسي ، وأنا أتحسس ألم المآسي : أنت يا كرسي الساكن فيه يتعنتر ، وبتفهاهته يتأسطر ...." الصفحة 9 
- عبدالصبور : " ...غياب قسري ...تغييب وإرهاب تحت راية الوطن ...." الصفحة 10
عبدالصبور : " ....وفي تعقلنه وصول يوم القيامة ...." الصفحة 13
- عبدالصبور : " ...التفت إلى اليسار ، فرأيت كالعادة شيخا بثياب عصرية من مشايخ البهتان ، يوقع صك الغفران ، لأبي جهل ليعفيه من تهمة الجهل ...." الصفحة 15
- عبدالصبور : " ....أنت مسيج كأن رأسك تنبثق منه القنابل النووية ، ملابسك مسيجة كأن عدوى التمرد تخرج منها ...." الصفحة 17
ونترك للمتلقي اكتشاف الكثير من مفاتيح تجاوز الخطاب النفعي في مسرحية " ما وراء الوراء " لكاتبها " مجدالدين سعودي .

يقول الأديب " كمال عبدالواحد " في دراسة نقدية له ل( ماوراء الوراء ) : " البطل يظهر مكتمل الوعي منذ البداية ويعرف خصومه ( سلطة الجبناء ) ، فإنه ينهي حياة المسرحية بالرسالة أو لنقل تحديد معالم الطريق الأخيرة مستوحيا الخطاب الديني في دلالاته النهائية الختامية ( اليوم أكملت لكم الرسالة ورضيت لكم طريقي نبراسا ) ، هذه الطريق التي تجلي البنية العميقة لخلفية الخطاب بأكمله ، في التقابل المضاد بين عوامل المصادرة والقهر أمام قيم التحرر والفعل الخلاق ، أي فعل الذات وافق حديثها في مواجهة عموامل التدجين والاقبار . إن عنف التخيل وعنف الخطاب يحيل على ذات مبدعة حقا ، تستند إلى رؤية تقدمية إن لم نقل نزعة فلسفية عميقة ، من هنا يأتي - تقديري الكبير - الذي يتمرد على مسألة التجنيس كمعادل جمالي لتمرد موضوعي على تمظهرات الواقع " .( 11) 

============    خاتمة  =====================

المسرح الواقعي والرمزي يستوحي الأحوال الاجتماعية كقاعدة انطلاق له ، فيستند إليها للارتقاء نحو أفاق شاسعة ، فيوظفها دراميا وفنيا ومسرحيا رغبة في إبداع صورة حقيقية أمينة تعكس بجلاء المجتمع ، وتفضح ما به من زوايا مظلمة . هذا النوع من المسرح ( مسرح التغيير ) يحمل على عاتقه التوعية الاجتماعية في أوسع شموليتها  من خلال التعبير عن مشاعر وهموم وآلام ومتاعب الشعب .
يقول " عبدالرحمن بن زيدان " : إن العملية الإبداعية - في مجال المسرح - نابعة من نفس الظروف والمعطيات الاجتماعية والثقافية التي تستمد منها باقي الفنون هواجسها الإبداعية التي تسكنها ، وهي أساس أسئلة تطرح على العالم ، يتلاقى الخلاقون السائرون ، فيؤلفون على تباينهم ..أرضا ...واحدة يتباعدون فيها متجاورون ، ويختلفون مؤتلفين ، متوخين من طموحاتهم تحديد وظيفة الكتابة ومسؤوليتها لإعطاء هوية عميقة لأبعاد المسرح ، حتى تكتمل له مقومات التبلور والرسوخ ، في علاقته بالمعطيات السوسيو ثقافية ، والذاتي والموضوعي . وبالضرورة الاجتماعية التي تحكمه كإنتاج أدبي وواقع أدبي مادي يتحدد بالمجموع التاريخي للممارسات الاجتماعية ، ويدرس في كل مستوياته كأثر معقد لكل تناقضات زمانه . إنه المكان الذي يحل فيه الخيال الأدبي جملة التناقضات الاجتماعية المادية التي لا تجد لها حلا في الأيديولوجية العامة ، أو بتعبير أوضح إنه الفضاء الصراعي الذي تأخذ فيه عدة عناصر لا متجانسة شكلا معينا ، وهو شكل يخفي التناقضات على الرغم من أنها قائمة فيه . فعندما نرجع إلى كل عمل أدبي نجده شكلا لغويا له عدة أبعاد لكنها مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا ، فهناك المستوى الصوتي للكلمات والمستوى الدلالي للجمل ووحداته العليا ، ومستوى اللوحات المرئية ومستوى الحقائق المصورة ، ومن ناحية أخرى يجب أن نفرق بين تتابع الأجزاء والبناء المتميز الذي يحتوي عليه العمل المسرحي في مضمونه من البداية إلى النهاية " (12) ( المرجع ( 2 ) نفسه ) . 

===================================================================

        √√√√√√          هوامش :

1 - النظرية الذرائعية في التطبيق / عبدالرزاق عودة الغالبي وعبير يحيى الخالدي 
2 - عبدالرحمن بن زيدان / في المسرح المغربي / منشورات إفريقيا الشرق / 1985 / الصفحة 98 
3 - مجدالدين سعودي / كتاب نصوص مسرحية ( ما وراء الوراء ) 
4 - الدكتور كمال عيد / المسرح بين الفكرة والتجريب / ط1 / الصفحة 90
5 - ويكيبديا 

6 - مجد القصص /  المونودراما  / جريدة الغد الأردنية / 5 كانون الأول 2008
7 - مجد القصص / الممثل :  مواجهة عميقة مع دواخل الذات بدون أقنعة / جريدة الغد الأردنية 24 تشرين الثاني 2008 .
8 - نعمان عاشور / مجلة المسرح عدد 55 / يوليو 1968 / الصفحة 18
9 - المرجع 8 نفسه الصفحة 21
10 - المرجع ( 2 ) نفسه / الصفحة 15

11 - مقتطف من دراسة للأديب كمال عبدالواحد لمسرحية " ما وراء الوارء " لمجدالدين سعودي 
12 - المرجع (2) نفسه ) الصفحة 8

الصوفي الصافي ......بصمات نقدية

 وفاء للصداقة والأخوة التي جمعتني بشاعر ( شعر الدراما الفلسفية  ) ( المرحوم عبدالجبار الفياض) الذي عمق  فراقه الجراح في صدورنا ...  ما أصعب أن تسقط ركائز أساسية ترفع  خيمة  النقد الأدبي والأدب بأجناسه في الوطن العربي  ...رحمة الله عليكم أخي الناقد والأديب ( حسين الباز ) والصحفي والأديب ( حسن السوسي ) وشاعر الدراما الفلسفية ( عبدالجبار الفياض ) وباقي أصدقائنا الذين غادرونا هذه السنة إلى دار البقاء ...إنا لله وإنا إليه راجعون 

--------------------------------------------------------------------------


دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة لقصيدة ( نكسة حزيران )

 للشاعر " عبد الجبار الفياض " 

 عنوان الدراسة النقدية الذرائعية المستقطعة : " المدخل الاستنباطي / ( اشهد يا حزيران .... ) / بقلم : عبد الرحمن الصوفي / المغرب


مقدمة :


الشعر صنعة فن لغوي ، وتاريخ الشعر في كل بلدان المعمور هو تاريخ صناعة الكلمة التي عرفت تطورا نتيجة تطورات كبيرة عرفها مختلف العلوم الحقة و الإنسانية .... اللغة حقيقة مرتبطة بوسائل المعرفة ، وعندما تغتني وتتسع هذه الوسائل لابد من ميلاد حقيقة تستخرج وتستنبط من من ظواهر ملموسة يواكبها الفن والأدب نثره و شعره . يقول " أوزيا " : " ...يمكن القول وبكل وضوح بأنه من المستحيل تجاهل ارتباط الشعر بالمجتمع أو تجاهل مشكلة << أنا والآخرون >> أو رفض فكرة تأثير الشعب على المبدع ..."  ( 1) 

 كما أن ارتباط الفلسفة بالشعر يعود لبدايتهما ( الفلسفة نفسها بدأت صياغتها بالشعر ) ، فكانت الفلسفة في إرهاصاتها الأولى ردة فعل على غموض الوجود ورهبته ، فانطلقت في محاولتها  الشبه أسطورية للتعامل مع الكون وفك ألغازه في قوالب وصيغ شعرية كما يعتقد " نيتشه " أن القول الفلسفي ، ككل محاولات القول الإنساني ، لن يستطيع الانفصال عن التعبير الشعري.


v مدخل الدراسة النقدية الذرائعية المستقطعة : المد

 الاستنباطي :Inference and Empathy Theory


جاء في كتاب " النظرية الذرائعية في التطبيق " : " ... تقوم نظرية الاستنتاج على مجال التقمّص الوجداني ، أي أن الإنسان يلاحظ سلوكه المادي مباشرة ، ويربط سلوكه رمزيًّا بحالته السيكولوجية الداخلية ، أي بمشاعره وعواطفه ، يصبح لسلوكه الإنساني معنىً يصبّ بمفهوم الذات ثم يتصل بالآخرين ويلاحظ سلوكهم ألمادي وعلى أساس تفسيراته السابقة لسلوكه ، يخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية.... " ( 2  ). إن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس ، يقول الأخطل : 


  إن الكلام لفي الفؤاد وإنما #  جعل اللسان على الفؤاد دليلا


 " ... بمعنى آخر، إذا كان سلوكه يعكس هكذا من المشاعر إذا قام شخص آخر بهذا السلوك ،  فهو أيضًا يعكس نفس المشاعر التي شعر بها حينما قام بهذا العمل هذا الرأي في التقمّص الوجداني يفترض أن الإنسان لديه معلومات من الدرجة الأولى عن نفسه ، ومن الدرجة الثانية عن الناس الآخرين ، فالإنسان لديه المقدرة على فهم نفسه نسبيًّا ، عن طريق تحليل سلوكه الذاتي ، ومن هذا التحليل يستطيع أن يخرج باستنتاجات عن الآخرين تقوم على هذا الأساس... " ( 3 ) المرجع ( 2 نفسه ) ... بمعنى أن حضور الأدب في نفسية الإنسان يخرجه من عمومية الناس ويدخله في خصوصية التقمّص النفسي ، وهذا ما عاد بنا إلى لحظات تذكرية تقمصية ( حزيران 1981 ) الذي يؤرخ لاحتجاجات اجتماعية شعبية شهدتها مدينة الدار البيضاء وباقي المدن المغربية ... خرجنا في تظاهرتها التي  خلفت عددا من الضحايا ، مما جعلها موضوع جدل حقوقي داخلي يؤرخ لمرحلة من مراحل  "سنوات الرصاص... " ... "  وسقط جراء تلك الأحداث عدد من القتلى والجرحى اشتهروا لاحقا باسم "شهداء الكوميرا"، وهي كنية باللهجة المغربية تطلق على نوع من الخبز الفرنسي بعد أن أطلقها عليهم وزير الداخلية المغربي خلال تلك الفترة الراحل إدريس البصري استهزاء بهم بسبب مطالبهم الاجتماعية ، وهو ما أثار سخط عائلات الضحايا...." ( 4 ).

 ونسجل كذلك لحظاتنا التقمصية ونحن بين أسوار الجامعة المغربية ونحن نردد في التظاهرات الطلابية:


اشهد يا حزيران

 في يومك العشرين

 وطني انار الدرب

 و النصر مشتعل

 في يقظة الفلاح

 في صرخة العامل

 في ثورة الجمهور

 يا شعبنا البطل

 سعيدة يا زروال

 دهكون يا رحال

 مواكل الابطال

 بالوعد تتصل

 من مخبر المهدي

 من عمر

 عن روعة الاوطوروت

 و باس من نزلوا

 مدينة البيضاء

 يا درب من قتلوا

 ابناؤك الفقراء

 اليوم قد وصلوا


وارتدائي قصيدة ( نكسة حزيران ) للشاعر " عبد الجبار الفياض " هو الطريق الذي سأسلكه في دراستي النقدية الذرائعية ، متتبعا وحدات التحليل الاستنباطي الذرائعي .


1 - حكمة اللغة عند الشاعر " عبد الجبار الفياض " في قصيدة " نكسة حزيران " :


يقول الشاعر والناقد الأدبي الفرنسي" إيف بونفوا "في اللغة العربية : " ... هي مكان طبيعي للشعر ، ولها الطاقة الجمالية تفتح الكتابة العربية على أفق لا نهائي من الموسيقى...." ( 5 ). لم يكن " بونفوا " وحده من استشعر تلك الطاقة اللامتناهية من الإيقاع في اللغة العربية ، بنثرها وشعرها ، فهي ليست مجرد حروف أبجدية أو كلمات مرتبة بل هي روح غامضة تستعصي على الوصف وهي كذلك خصبة  التجارب الجمالية البحتة. 

 لنتأمل حكمة اللغة عند الشاعر في القفلة الأولى من القصيدة ( نحرث البحر !؟ بأسنان المشط !؟ / نقتات دوران الناعور !؟ لسقاية أرض يباب !؟ / خمسون عاما = النكسة العربية :


خمسون عاماً 

 ونحنُ نحرثُ البحرَ بأسنانِ المشط

 وعلى الرّيحِ البَذار. . .

 نقتاتُ دورانَ النّاعورِ لسقايةِ أرضٍ يباب . . .

 لا سنابلَ 

 يُخيفُها منجلٌ عجوز. . .

 لا بيادرَ 

 يأكلُ منها منقارُ طيرٍ

 تيبّسَ من جوع. . .

 خمسون عاماً

 ونحنُ نُعيدُ ذبحَ الحُسين . . .

 صلبَ المسيح. . .

 نُخرجُ الحلاّجَ من قبرِهِ 

 لنمثّلَ بهِ أيّامَ التّشريق . . .

 أينَها مطرقةُ قاضٍ 

 تدمغُ باطلَ الحبرِ السّريّ ؟

 الرّصاصُ أساسُ الحُكم. . .

 خمسون عاراً 


 ونحنُ نضرعُ إلى السّماءِ أنْ تجودَ بما أُنزلَ على قومِ موسى النّبيّ . . . 

 أنْ تفتحَ أمامَنا الأبوابَ من غيرِ مفتاحٍ يُدار . . .

اللغة حكمة عبقرية شاعر يجمع الكلمة والإيقاع ، دون أن تخرج اللغة عن تخوم المعنى، ودون أن تطغى الصورة على المعنى الفعلي ( نخرج الحلاج من قبره / لنمثل به أيام التشريق ...) .

يقول الناقد الناقد الاستاذ " أكرم ابو الراغب " : " ... جاءت قصيدتك عبارة عن صور إن صح التعبير ـ تنقلنا من دفقة شعورية إلى أخرى تعززها وتشد من بنائيتها ، سمعت من خلالها موسيقا خارجية متمثلة في الفاظك وتراكيبك المتعانقة ، عززها في هذا الانسياب السلس الذي يريح القارئ ، ويجعله منسجما مع القصيدة دون تعثر ، أو عوائق ... إضافة إلى هذه الألفاظ والبنى التي شكلت النسيج الجميل للقصيدة ، وما تحمله تلك الكلمات من دلالات عميقة تجعل من القصيدة بنائية متماسكة ومتلاحمة ، كدفقات شعورية قوية ومتلاحقة عكست عن معاناة حقيقية وتجربة شعورية صادقة . حقيقة لا يستطيع القارئ أن يعطي القصيدة حقها في قراءة عاجلة ، إذ لا بد له من قراءة متأنية معمقة لأن كل كلمة فيها تحكي شيئا ، وتصور حدثا وتروي قصة... " ( 6 ) .


2 - موعظة وعبرة اللغة في قصيدة " نكسة حزيران   " :


النكسة وقبلها النكبة عكستا أحداثا كانت أكبر من إمكانية استيعابها ، ومن ثم تأثير اللغة النفسي على الإنسان العربي ، سواء الأجيال التي عايشتهما أو أخرى سمعت عنها وخبرت نتائجها ....لم يسعفنا فى قليله أو كثيره ، أن الإعلام والثقافة والجدل فى بلداننا العربية ومنتدياتنا التي ظلت تردد على مدى نصف قرن تحليل أسباب النكسة وجذور الهزيمة وسبل إنقاذ العالم العربي ... ودروس « النكسة » والعبر منها...لكن الذي يهمنا في دراستنا هو تكنيك الموعظة والعبرة عند الشاعر .

 إن لغة الشاعر مصدرها الشعور من خلال علاقة وطيدة تجمع بين الفن والروح ، خاصة وأن الفن عند العربي لا يتنزل من آلهة يعلمنه الشعر ولكنه ينبع من أعماقه وذلك ما ترصده أخي " الناقد الاستاذ ابراهيم ابو شندي " حيث يقول : " ... الخمسون يا صديقي لم تعد خمسون .. بل أضحت سبعون وتزيد .. وأهل البنادق اصبحت لهم ارجل وعواكيز .. الماجدات من اهلنا اشجار تموت .. قصب من حناء الاصابع .. رتق في القلب المواجع .. شغف طفل حلم بالحلوى ولم تأته .. زنابق الورد غدت رؤوس افاع .. أصنام هي الآمال لا تموت .. والفجيعة تغزو كل البيوت .. الجداول أرهقها المسير .. والصعود للينابيع عسير .. خمسون هانت يا صديقي والسبعون تهون ..!! هناك .. في لجة الخوف الحزن جميل .. أكوام من جثث متعفنة .. في السراديب والخنادق .. في الساحات وفوق أعواد المشانق .. في الازقة وتحت الردم .. في الشوارع والمساجد .. تسمع الانين والعويل .. ولكل صوت قصة .. تتشابك الحكايات والتفاصيل .. وهناك عناوين تتصدر المشهد .. تسمى (الهزيمة) .. بل النكسة الكبرى .. !! يعصرني .. يقهرني .. ويثير في الغضب .. ذاك النداء القادم من عصابة تسمى(جامعة العرب) .. الشجب والاستنكار , والبحث عن حقوق في هيئة الامم .. وأي أمم تلك التي تكالبت على بلادكم , وتتكئ على أوجاعكم ؟ . أي نكرة انتم؟ وقد قالها فيكم شاعر العراق المظفر ماذا بعد الهزيمة والنكسة , الا المذلة والخذلان .. وهاأنتم تشربون من كأسه ولن تملوا.. !! .. .. تساوت كل المعاني .. الخوف .. الموت .. الهزيمة .. الخذلان .. ولم يبق سوى صوت واحد .. هو النصر .. ذلك يحدث غربي النهر .. ومن تبقى يعدون السنين , وعصي الجلاد .. وستبقى أمشاطهم تحرث أمواج البحر , لعلهم يجدون الأمان..!! .... هذا النضج في قصيدك يبهرني .. ويحفز في اشياء تلهمني الكلمات.. يعلمني الشوق للمفردات .. لقد أعجزتني علما بما أقول .. ورددت الي حب اللغة والابجدية .. حقا الاستاذ والصديق العزيز عبد الجبار الفياض , لقد اوغلت في عمق المعاني , ورسمت بكلماتك اللوحة المعقدة لأمة ارهقتها الهزائم .. وباتت تقتل بعضها بعضا .. أمعنت في قراءة التفاصيل بجرأة واقتدار .. سطرت اجمل المعاني وهي تنساب كشلال صاف .. اعجبني ذلك البناء الشفيق في تراكيب القصيدة , فجعل منها بنيانا شامخا .. كأنك تحمله فوق هامتك بإحساس ثوري أبي , فتخلده بشرى للأجيال .. بورك نبضك وشموخ قلمك الابي ...." . ( 7 )


خمسون عاراً 

 ونحنُ نضرعُ إلى السّماءِ أنْ تجودَ بما أُنزلَ على قومِ موسى النّبيّ . . . 

 أنْ تفتحَ أمامَنا الأبوابَ من غيرِ مفتاحٍ يُدار . . .

 خمسون 

 ونحنُ لم نزلْ 

 نتعلّمُ آدابَ الدّخولِ إلى الكنيف . . .

 نُصغي بانتباهٍ لقارئةِ الفنجان . . .

 تفتُنُنا خطوطُ الكّفِ في شمسِ المعارف . . .

 خمسون

 ندسُّ الكذبَ الملوّنَ في كراريسِ الصّغار

 نُقيّدُ خطوَهم في دروبِ البقاء . . .

 في عيونِهم

 نغتالُ عصافيرَ الصّباح. . .

 من غير تبجيلٍ نَدَعهُ

 يسفُّ جوعَه

 من طباشيرِ سبورةِ زمنهِ الكسيح . . .


يمكن النظر لـ"النكسة" كأحد أبرز مصطلحات التهوين . كما أن مصطلح " النكسة " غطى على حقائق كارثية منها الهزيمة الفعلية للجيوش العربية ، وطرد آلاف الفلسطينيين من أرضهم... يقول " هيكل " : " .... للتعبيرات قوة تأثيرها فى حركة الأحداث ، عندما تقول هزيمة فإن كل شيء قد انتهى ، وعليك أن تقر بما جرى وتستسلم له ، بينما تعبير النكسة يساعد على لملمة الجراح ... ولتأكيد إرادة القتال من جديد ...". ( 8 )

أما البعض الآخر فيرى في مصطلح "النكسة" جريمة لتخدير الشعوب العربية ومحاولة لإخفاء حجم الكارثة التي تمثلت بأكبر هزيمة في تاريخ الحروب الحديثة ، سواء من ناحية حجم الأطراف التي خاضتها أو من ناحية سرعة الحسم أو من ناحية نتائجها الكارثية وآثارها بعيدة المدى على كافة المستويات والأصعدة.


"هوامش على دفتر النكسة" / نزار قباني


لأن ما نحسه أكبر من أوراقنا/ لا بد أن نخجل من أشعارنا إذا خسرنا الحرب/ لا غرابه لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه/بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة/ لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة"... كتب الشاعر نزار قباني قصيدته "هوامش على دفتر النكسة" عقب الهزيمة مباشرة، فانتشرت على نطاق واسع .... ( 9 ) .


3 - عقلانية اللغة في قصيدة " نكسة حزيران " :


يعدّ التقمّص الوجداني إحساس بالتواصل مع الآخرين مع القدرة على معايشة أحاسيسهم الداخلية ، وهي صفات يملكها الناقد الرصين ، فيقارنها استنباطًا بصاحب النص ، فينطلق من نفسه أولًا ، و من ثقافته وتجربته النقدية الأدبية الذاتية ، ويلاحق ما يجده من حالات وإرهاصات يتشابه هو و الأديب فيها ، ويكون أكثر دراية بمقارنة هذا التقمّص في الحالتين ، واستخراج ما لا يستطيع استخراجه الإنسان أو المتلقي العادي.... فينتج عن هذا التقمّص الإنساني استنباطًا لما يجول بخاطر الشاعر و يسجّله ويستنتج ويستنبط الأفكار المخبوءة ما بين السطور.

ظل الشعر و الأدب عموما والفلسفة ممتزجين ومتصلين ببعضهما منذ بداية الفكر الإنساني وحتى العصور الحديثة ، يُستخدَم الشاعر " عبد الجبار الفياض " عقلانية لغته للدلالة على الكتابة الخيالية والجمالية كوعاء للأفكار التي تحتويها ( نأكل سقط متاعهم بلذة إفطار بعد صوم/ نلعق أصابعنا قبل كل وليمة ) ، كما ابتعدت عقلانية لغته عن فلسفة استخدام اللغة العلمية التي تلتزم منهجًا معينًا بهدف الوصول إلى نتائج وبراهين محددة ، أي أن عقلانية لغته ذات تأثير جمالي وتعبيري ( خارطة وجع يومي / تمتد من المحيط إلى الخليج / نبيع الدم العربي بسعر حزم البرسيم في مواسم الحصاد / نطبعه وشم انتصار على جدر المساجد ) ، وهذه العقلانية اللغوية كتب بها " نيتشه " (  هكذا تكلم زرادشت ) ، وكتب بها " هيدغر " الذي يقول : " يجب أن نمارس الفلسفة في شكل قصائد " ( 10 ) المرجع (5) نفسه ) ، فماهية العقلانية اللغوية تجعل من الشعر مؤسسا للوجود ، وماهية البشرية أن تحيا شعرا ، أو كما تقول " هولدرلين " : " ... وما يبقى يؤسسه الشعراء " . ( 11 ) ( المرجع ( 5)  نفسه ) .


خمسون

 ونحنُ نلهثُ وراءَ عرّابينَ 

 كنّا لهم طوعَ البنان. . .

 نأكلُ سقطَ متاعِهم بلذةِ إفطارٍ بعدَ صوم . . .

 نلعقُ أصابعَنا قبلَ كُلِّ وليمة 

 نكيلُ لهُم الثّناءَ بلا صِواع . . .

 خمسون

 وغِشاوةُ الجّنس 

 تحجبُ عنّا شروقَ الشّمس. . .

 ماءٌ يُراقُ 

 كانَ في الوجهِ عزيزاً 

 لا يُراق. . . 

 تعلّمْنا فنَّ البَذاءاتِ الملفوفةِ بورقِ

 التّواليت. . .

 خمسون

 خارطةُ وَجعٍ يوميّ 

 تمتدُّ من المحيطِ إلى الخليج . . .

 حربٌ بين فوقِنا وتحتِنا 

 رَفدْناها سنيناً من غباء . . .


 نبيعُ الدّمَ العربيّ بسعرِ حُزمِ البرسيمِ في مواسمِ الحصاد . . .

 نطبعُهُ وشمَ انتصارٍ على جُدرِ المساجد . . .

العقلانية اللغوية فلسفة الشاعر خبرها عبر التجربة كعاشق للغته وكشاعر يكتب قصيدته التي تختلف بالضرورة عن قصائد غيره من الشعراء وفي نفس الموضوع " النكسة العربية " كدهشة محركة ومولدة للتفلسف العقلاني اللغوي .

 يقول الشاعر" نعمة يوسف" عن قصيدة (النكسة) : " حينما تقرأ للشاعر الجليل الأستاذ عبد الجبار الفياض ، تجده يفيض شعرا وحبا وإإنسانية ..تجد نفسك وأنت أمام ((معلقة شعرية)) أو ((مسلة شاهقة)) دونت ونحتت على جدرانها المتعددة مشحونة بأنواع الألم والوجع والمأساة بلغة تصلح لكل العصور و كأنها كتبت قبل الآف السنين وليس اليوم .. النكسة والخيبات والفشل ... وأنت تقرأ النص وما مكتوب في فحواه حتى تجد نفسك تشاهد صور ورسومات تتحدث عن الملوك والأنبياء ، عن معجزاتهم وخيباتهم ، عن هبوط الديانات مع رسلها ، يكتب لنا مدونات على هذه الجدران ، جدران ملاحم الشاعر الفياض السومري المتميزة ، الشاعر الذي تمتد روحه لكل حضارات العراق السابقة ليومنا هذا ، بكل خسائرها ها ودمارها دونما هناك بصيصا للفرح والسعادة.. إنها روح السومري الشجاع الوطني ...خمسون عاراً ... خمسون ...خمسون .. خمسون ... خمسون عاما من الذل والعهر ! ... هو ليس نصا أو خطابا يعبر عن إحدى النكسات التاريخية وينساب على المسامع بكل الوجع حاملا كل ((الخيبات )) ((والهزائم )) المتعاقبة التي مرت والتي لم تأت بعد .... كأنها رواية مأساوية قصيرة محملة بصور شعرية موجعة مليئة بالفقدان ، قصص تحمل رسائل إنسان وطني يشعر بغربة الوطن بين البلدان وغربته أيضا داخل الوطن ، حكايا بصور شعرية نسجت بين الخيال والذكرى والواقع ... هي ملحمة أو معلقة أو مسلة 

 بما ورد فيها هو عبارة عن هيجان بحر من اللغة والصورة والإنسانية والمواقف الوطنية الكبرى للشاعر لمعنى النكسة والخذلان في الوطن المفقود ، هي هواجس وحنين رغبات متكسرة في ذلك الأنين والصوت الذي يدنو من خمرة الذكرى للوطن المعافى وليس الكسيح ... ..." ( 12 )


4- التوازن الانفعالي للغة الشاعر في قصيدة  " نكسة حزيران"


يتفوّق النقد حين يصبح مهمًّا جدًّا في مراقبة ومواكبة الأدب ، وتوجيهه نحو المسلك الأرقى ، الذي يرتفع به المجتمع فكريًّا وثقافيًّا وحضاريًّا ، لذلك تقاس مهارة الناقد وسطوته النقدية بالجانب المخبوء من النصوص الأدبية أكثر من الجانب العيني أو البصري ، وهو ما يشير له جميع فلاسفة النقد . نتقمّص شخصية الشاعر للبحث عن مفاهيم ودلالات التوازن الانفعالي للغة الشاعر الفلسفية والاجتماعية و الإنسانية ... لأن الشعر حالة وجدانية تصيب الشاعر و فيها يختلف عن عموم الناس . 

 إن التوازن الانفعالي للغة الشاغر في قصيدته كان موجودًا قبل أن يشرع فكره في التفكير من خلال كلمتي : ( خمسون عاما + خمسون ) ( خمسون عاماً / ونحنُ نحرثُ البحرَ بأسنانِ المشط / وعلى الرّيحِ البَذار. . . / نقتاتُ دورانَ النّاعورِ / لسقايةِ أرضٍ يباب . . . / لا سنابلَ / يُخيفُها منجلٌ عجوز. . . / لا بيادرَ / يأكلُ منها منقارُ طيرٍ / تيبّسَ من جوع. . . خمسون عاماً) ، توازن انفعالي للغة الشاعر التي ترصد مصير أمة ، لأن الشعر هو اللغة الأصلية للشعور ، وهو الكلمات الانفعالية المتوازنة للغة تنطلق من مخيلة الإنسان .


خمسون

 نحشو جيوبَ الغُرباءِ من جيوبِ أرضٍ 

 شهدتْ مهبطَ كُلِّ الأنبياء . . .

 نأتي بالسّلاحِ موتاً 

 نجربُهُ لقطفِ أرواحِ الأقربين . . .

 نعلّمُ الأخَ كيفَ يفري بطنَ أخيه؟

 يحفرُ لهُ جُبّاً 

 ليدفنَهُ حيّاً ذاتَ يوم. . .

 خمسون عاماً 

 ونحنُ نستبدلُ حروفَ الإنحناءِ بحروفِ الخُبزِ من صناديقِ الأمم . . .

 ليسَ لنا من الذّهبِ الأسودِ سوى دخانهِ الأسود . . .

 خمسون

 وحسابُ اللّصوصِ أرضٌ حرام

 مَنْ يحاولُ تقليبَ صفحاتِهِ الحصينةِ

 يموت. . . 

 حقائبُهُ حُبلى

 تُلقي حملَها بعيداً في أقبيةٍ 

 تجهلُها بوصلةُ المكان!

 خمسون


يرى «جيل دولوز» أن «الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم» دون الاكتفاء بالتأمل الذي هو حقل يسع كل الناس ، وليس حِكرًا على الفلاسفة لوحدهم . لذلك أعتبر إن الشعر يجعلنا نرى التوازن الانفعالي للغة مألوفا في تجلياته الأولى والمدهشة ، في حين تجعلنا الفلسفة نرى الغريب مألوفًا.


خمسون

 نصنعُ سيوفَاً من جريدِ النّخلِ لحربٍ في بقاعٍ خالية . . .

 مهزومون حتى في نصفِ رقعةِ شطرنج 

 تُثقلُ صدورَنا نياشينُ الهروبِ من الحروب . . .

 خمسون عاماً 

 ونحنُ نلعنُ الأميركيَّ الذي مضى الذي حضر 

 الذي يأتي 

 ونحنُ لم نشبعْ من شمِّ رائحةِ إبطيْه . . .

 هل للتّفاهةِ وجهٌ آخر ؟

 خمسون


إن فكر التوازن الانفعالي للغة لا يكون فلسفيًّا دائمًا ، فهو تارة يكون فلسفيًّا، وأخرى شعريًّا، وطريقة التعامل مع اللغة هي سبب الالتباس . ( تصنغ سيوفا من جريد النخل لحرب في بقاع خالية .../ مهزومون حتى في نصف رقعة شطرنج ) . يعتمد التوازن الانفعالي للغة عند الشاعر " عبد الجبار الفياض على الصور والمجازات والاستعارات بكثافة تجعل الفكر يلتحم مع العقلانية اللغوية ، بالرغم أن المطلوب في الشعر أن تفضل العاطفة على العقل ( هل للتفاهة وجه آخر ؟ ) ، وتنفتح على سؤال الشعر الفلسفي.


نشنقُ شفاهَ الرّفضِ على أعمدةِ أمانِ الأمّة 

 سلامةِ سلطانِ الأمة. . .

 ايةُ أمّةٍ تمحو أسمَ الأمّة ؟

 نُطعمُ القبورَ لحمَ الزّاحفينَ لكتابةِ جديدِ الأمة . . .

 خمسون

 ونحنُ نطوفُ بأصنامٍ 

 أوصلتْنا إلى وحلِ هزيمةٍ

 ما بقيَ لنا بعدَها حبلُ غسيل . . . 

 إلى ذيلِ الرّكبِ 

 مُصفّدين بأغلالِ خوفٍ 

 رُكّبَ من خوف. . .

 خمسون

 نترجمُ نقيقَ الضّفادع

 نردّدُ كُلّ صباحٍ صوتَ صفيرِ البُلبل . . .

 نقطعُ حناجرَ هُتافٍ لوطنٍ 

 يتكيءُ على منسأةٍ من عصورٍ 

 لم يبقَ منها سوى شاهدة. . .

 نرقبُ كافورَ كي يذبحَ لنا العيدَ من قفا . . .

 خمسون 

 ونحنُ نسرقُ نحنُ 

 نشتمُ نحنُ

 نصنعُ خناجرَ من ظلامٍ لطعنِ نحنُ

 النّاسُ للأمامِ إلآ نحنُ . . .

 خمسون عاما

 كذبوا علينا

 وما زالوا يكذبون. . .

 مؤتمراتُ الجّماجمِ الفارغة 

 تنفضُّ ببياناتٍ فارغة. . . 

 تُتلى بمفرداتٍ فارغة 

 إلآ من وعودٍ فارغة. . .

 يا للفراغِ المقدّسِ الذي نعيشُهُ بجيوبٍ فارغة !

 فمتى الرّجمُ أيّتُها النّطفُ الباقية ؟

 لا 

 لا تخرُجي الآن

 فكُلُّ شيءٍ ملوّثٌ إلآ ما رحِمَ ربّي !

 قالَها من قبلُ رجلٌ من العراق *

(لا استثني أحداً. . .

 ربَما 

 الإستثناءُ اهترأ. . .

 لا بأسَ 

 أنْ يُعادَ رتقُهُ من جديد 

 بعدَ أنْ استعادَ سمعَهم الأموات !!

. . . . .


الشاعر في قصيدته يترك الواقعي متحسرا إلى الخيالي ، يحاور الحلم يغازله ويداعبه ويداعبه ، بل يخلقه ويجعل فيه حياة ، ويستأنس به ، ويجعل من كل ما هو صغير الشأن أسطورة في عين الرائي/السامع/القارئ ( يا للفراغ المقدس الذي نعيشه بجيوب فارغة ! / فمتى الرجم أيتها النطف الباقية ؟) الشاعر يؤسس وجودًا آخر أكثر رحابة ، وحياة خيالية ، لكنها حيوية أكثر من حياتنا المعيشة.

 إن الشاعر يخلق التوازن الانفعالي للغته ، أي أن لغته تصبح أكثر تواصلية من اللغة العادية الشعرية شريطة أن يتعامل معها القارئ بحرية. إذ تتبدل وظائف الحواس ، ما يجعل الأذن ترى ، والعين تسمع ، والصمت يتكلم ، والكلام يخرس ...


الدراسة من إعداد : عبد الرحمن الصوفي / المغرب


-------------------------------------------------------------------------------------

القصيدة كاملة :


نكسة حزيران ( 5 حزيران 1967 ) / بقلم الشاعر : عبد الجبار الفياض / العراق


خمسون عاماً 

 ونحنُ نحرثُ البحرَ بأسنانِ المشط

 وعلى الرّيحِ البَذار. . .

 نقتاتُ دورانَ النّاعورِ لسقايةِ أرضٍ يباب . . .

 لا سنابلَ 

 يُخيفُها منجلٌ عجوز. . .

 لا بيادرَ 

 يأكلُ منها منقارُ طيرٍ

 تيبّسَ من جوع. . .

 خمسون عاماً

 ونحنُ نُعيدُ ذبحَ الحُسين . . .

 صلبَ المسيح. . .

 نُخرجُ الحلاّجَ من قبرِهِ 

 لنمثّلَ بهِ أيّامَ التّشريق . . .

 أينَها مطرقةُ قاضٍ 

 تدمغُ باطلَ الحبرِ السّريّ ؟

 الرّصاصُ أساسُ الحُكم. . .

 خمسون عاراً 

 ونحنُ نضرعُ إلى السّماءِ أنْ تجودَ بما أُنزلَ على قومِ موسى النّبيّ . . . 

 أنْ تفتحَ أمامَنا الأبوابَ من غيرِ مفتاحٍ يُدار . . .

 خمسون 

 ونحنُ لم نزلْ 

 نتعلّمُ آدابَ الدّخولِ إلى الكنيف . . .

 نُصغي بانتباهٍ لقارئةِ الفنجان . . .

 تفتُنُنا خطوطُ الكّفِ في شمسِ المعارف . . .

 خمسون

 ندسُّ الكذبَ الملوّنَ في كراريسِ الصّغار

 نُقيّدُ خطوَهم في دروبِ البقاء . . .

 في عيونِهم

 نغتالُ عصافيرَ الصّباح. . .

 من غير تبجيلٍ نَدَعهُ

 يسفُّ جوعَه

 من طباشيرِ سبورةِ زمنهِ الكسيح . . .

 خمسون

 ونحنُ نلهثُ وراءَ عرّابينَ 

 كنّا لهم طوعَ البنان. . .

 نأكلُ سقطَ متاعِهم بلذةِ إفطارٍ بعدَ صوم . . .

 نلعقُ أصابعَنا قبلَ كُلِّ وليمة 

 نكيلُ لهُم الثّناءَ بلا صِواع . . .

 خمسون

 وغِشاوةُ الجّنس 

 تحجبُ عنّا شروقَ الشّمس. . .

 ماءٌ يُراقُ 

 كانَ في الوجهِ عزيزاً 

 لا يُراق. . . 

 تعلّمْنا فنَّ البَذاءاتِ الملفوفةِ بورقِ

 التّواليت. . .

 خمسون

 خارطةُ وَجعٍ يوميّ 

 تمتدُّ من المحيطِ إلى الخليج . . .

 حربٌ بين فوقِنا وتحتِنا 

 رَفدْناها سنيناً من غباء . . .

 نبيعُ الدّمَ العربيّ بسعرِ حُزمِ البرسيمِ في مواسمِ الحصاد . . .

 نطبعُهُ وشمَ انتصارٍ على جُدرِ المساجد . . . 

 خمسون

 نحشو جيوبَ الغُرباءِ من جيوبِ أرضٍ 

 شهدتْ مهبطَ كُلِّ الأنبياء . . .

 نأتي بالسّلاحِ موتاً 

 نجربُهُ لقطفِ أرواحِ الأقربين . . .

 نعلّمُ الأخَ كيفَ يفري بطنَ أخيه؟

 يحفرُ لهُ جُبّاً 

 ليدفنَهُ حيّاً ذاتَ يوم. . .

 خمسون عاماً 

 ونحنُ نستبدلُ حروفَ الإنحناءِ بحروفِ الخُبزِ من صناديقِ الأمم . . .

 ليسَ لنا من الذّهبِ الأسودِ سوى دخانهِ الأسود . . .

 خمسون

 وحسابُ اللّصوصِ أرضٌ حرام

 مَنْ يحاولُ تقليبَ صفحاتِهِ الحصينةِ

 يموت. . . 

 حقائبُهُ حُبلى

 تُلقي حملَها بعيداً في أقبيةٍ 

 تجهلُها بوصلةُ المكان!

 خمسون

 نصنعُ سيوفَاً من جريدِ النّخلِ لحربٍ في بقاعٍ خالية . . .

 مهزومون حتى في نصفِ رقعةِ شطرنج 

 تُثقلُ صدورَنا نياشينُ الهروبِ من الحروب . . .

 خمسون عاماً 

 ونحنُ نلعنُ الأميركيَّ الذي مضى الذي حضر 

 الذي يأتي 

 ونحنُ لم نشبعْ من شمِّ رائحةِ إبطيْه . . .

 هل للتّفاهةِ وجهٌ آخر ؟

 خمسون 

 نشنقُ شفاهَ الرّفضِ على أعمدةِ أمانِ الأمّة 

 سلامةِ سلطانِ الأمة. . .

 ايةُ أمّةٍ تمحو أسمَ الأمّة ؟

 نُطعمُ القبورَ لحمَ الزّاحفينَ لكتابةِ جديدِ الأمة . . .

 خمسون

 ونحنُ نطوفُ بأصنامٍ 

 أوصلتْنا إلى وحلِ هزيمةٍ

 ما بقيَ لنا بعدَها حبلُ غسيل . . . 

 إلى ذيلِ الرّكبِ 

 مُصفّدين بأغلالِ خوفٍ 

 رُكّبَ من خوف. . .

 خمسون

 نترجمُ نقيقَ الضّفادع

 نردّدُ كُلّ صباحٍ صوتَ صفيرِ البُلبل . . .

 نقطعُ حناجرَ هُتافٍ لوطنٍ 

 يتكيءُ على منسأةٍ من عصورٍ 

 لم يبقَ منها سوى شاهدة. . .

 نرقبُ كافورَ كي يذبحَ لنا العيدَ من قفا . . .

 خمسون 

 ونحنُ نسرقُ نحنُ 

 نشتمُ نحنُ

 نصنعُ خناجرَ من ظلامٍ لطعنِ نحنُ

 النّاسُ للأمامِ إلآ نحنُ. . .

 خمسون عاما

 كذبوا علينا

 وما زالوا يكذبون. . .

 مؤتمراتُ الجّماجمِ الفارغة 

 تنفضُّ ببياناتٍ فارغة. . . 

 تُتلى بمفرداتٍ فارغة 

 إلآ من وعودٍ فارغة. . .

 يا للفراغِ المقدّسِ الذي نعيشُهُ بجيوبٍ فارغة !

 فمتى الرّجمُ أيّتُها النّطفُ الباقية ؟

 لا 

 لا تخرُجي الآن

 فكُلُّ شيءٍ ملوّثٌ إلآ ما رحِمَ ربّي !

 قالَها من قبلُ رجلٌ من العراق *

(لا استثني أحداً. . .

 ربَما 

 الإستثناءُ اهترأ. . .

 لا بأسَ 

 أنْ يُعادَ رتقُهُ من جديد 

 بعدَ أنْ استعادَ سمعَهم الأموات !!

. . . . .



 عبد الجبّار الفيّاض 

5 /حزيران/ 2020

* الكبير النّواب.

------------------------------------------------------------------------

الهوامش :

1 – مجلة الأقلام / عدد 11 / 1980 / الصفحة 18

2 – النظرية الذرائعية في التطبيق / عبدالرزاق عودة الغالبي

3 – المرجع ( 2 ) نفسه

4 – الملحق الثقافي / الاتحاد الاشتراكي / 16 / 3 / 1993

5 – الكرمل / عدد 25 / الصفحة 88

6 – منقول من صفحة الشاعر الفيسبوكية

8 – العلم الثقافي / 23 / 10 / 1988

9 – عالم الفكر / عدد 11 /  الصفحة 45

10 – المرجع ( 5) نفسه / الصفحة 12

11 – المرجع ( 5) نفسه / الصحة 18

12 – منقول من صفحة الشاعر الفبسبوكية

نوال السعداوي

 إذا كان تعريف المومس أنها المرأة التي تقبل العلاقة الجنسية بالرجل ﻷسباب تجارية ونفعية ، فلابد أن يسري هذا التعريف على أي امرأة تقبل العلاقة الجنسية بالرجل ﻷسباب تجارية ونفعية ، وبهذا لا تختلف العلاقة الزوجية القائمة لمصلحة تجارية ونفعية في جوهرها عن الدعارة ، ربما كان هناك اختلاف في الشكل من حيث توقيع عقد الزواج الشكلي ، و من حيث أن اﻷجر الذي تتلقاه الزوجة يختلف في طريقة دفعه عن اﻷجر الذي تتلقاه المومس ... لكن المضمون واحد من حيث افتقاد العلاقتين للحب الحقيقي والذي بدونه تصبح العلاقتان غير شريفتين ..



نوال السعداوي